اللغة والهوية في موريتانيا: هل يكتمل الاستقلال بلسانٍ مستعار؟/ بقلم محمد عبد الله بين  

 

في تاريخ الأمم لحظاتٌ حاسمة لا يكون الصراع فيها على السلطة أو الثروة، بل على المعنى والهوية. وفي موريتانيا، يظل سؤال اللغة واحدًا من أكثر الأسئلة حساسية وإثارة للجدل: بأي لسانٍ تتكلم الدولة؟ وبأي لغة تُصاغ ذاكرة المجتمع ومستقبله؟

ليست القضية مجرد تفضيل لغوي بين العربية والفرنسية، بل هي في جوهرها سؤال استقلال ثقافي. فالدول لا تتحرر حقًا حين ترفع أعلامها فقط، بل حين تتكلم بلغتها وتفكر بها وتنتج معرفتها من داخلها.

*الدستور حسم… لكن الجدل لم ينته*

لقد حسم الدستور الموريتاني المسألة نظريًا حين نصّ في المادة السادسة من الدستور الموريتاني على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة. ومع ذلك، ما يزال الواقع الإداري والتعليمي يعيش حالة ازدواجية لافتة، حيث تستمر الفرنسية في لعب دور واسع في الإدارة والتعليم والوثائق الرسمية.

وهنا يبرز التناقض الكبير:

كيف يمكن لدولة تعلن العربية لغة رسمية أن تستمر في إدارة جزء معتبر من شؤونها بلغة أجنبية؟

العربية: أكثر من لغة

العربية في موريتانيا ليست مجرد وسيلة تواصل؛ إنها وعاء الذاكرة الدينية والعلمية. فمن خلال المحاظر والعلوم الشرعية تشكلت الشخصية الثقافية للمجتمع الموريتاني، وارتبطت العربية ارتباطًا عميقًا بالإسلام وبالتراث الفقهي والأدبي.

إنها اللغة التي حفظت بها البلاد مكانتها العلمية في غرب إفريقيا قرونًا طويلة، قبل أن تعرف المدارس الحديثة أو الإدارات المعاصرة.

*التعدد الإثني… ذريعة أم حقيقة؟*

كثيرًا ما يُستدعى التعدد الإثني في موريتانيا لتبرير استمرار الفرنسية. غير أن هذا التبرير يثير تساؤلات جدية:

هل تحتاج المجتمعات المتعددة فعلًا إلى لغة أجنبية لتوحيدها؟ أم أن هذا الطرح يخفي عجزًا عن بناء لغة وطنية جامعة؟

إن المجتمعات المتعددة في العالم لا تحل إشكالاتها بالارتهان للغة المستعمر، بل بإيجاد توازن وطني بين اللغة الرسمية واللغات الوطنية.

هل توجد دول بلغتين رسميتين؟

يستشهد البعض بتجارب دول تعتمد أكثر من لغة رسمية، مثل كندا أو سويسرا. غير أن هذه المقارنات كثيرًا ما تتجاهل السياق التاريخي والسياسي المختلف لتلك الدول.

ففي تلك النماذج، اللغات الرسمية لغات وطنية متجذرة في المجتمع نفسه، وليست بقايا إرث استعماري.

أما في موريتانيا، فإن الفرنسية ليست لغة مكوّن اجتماعي، بل لغة مرحلة استعمارية ما تزال آثارها الإدارية والثقافية قائمة.

 

*الدفاع عن الفرنسية: براغماتية أم استلاب؟*

المدافعون عن استمرار الفرنسية غالبًا ما يطرحون حججًا عملية:

سهولة التواصل الدولي، أو جاهزية المؤسسات التعليمية، أو الإرث الإداري المتراكم.

لكن هذه الحجج، مهما بدت واقعية، تخفي حقيقة أعمق:

إن الاعتماد الطويل على لغة أجنبية يعيد إنتاج التبعية الثقافية، ويجعل المجتمع يعيش انفصالًا بين لغة الدولة ولغة الناس.

فاللغة ليست أداة محايدة؛ إنها حاملة لرؤية العالم. وعندما تفكر النخب بلغة غير لغة المجتمع، فإنها تبني سياسات ومعارف قد تبقى بعيدة عن وجدان المجتمع نفسه.

الاستقلال الحقيقي يبدأ من اللغة

لقد حصلت موريتانيا على استقلالها السياسي سنة 1960، لكن سؤالًا مشروعًا ما يزال يطرح نفسه:

هل اكتمل الاستقلال الثقافي؟

إن الاحتفاظ باللغة الفرنسية بوصفها لغة مركزية في الإدارة والتعليم لا يمكن اعتباره خيارًا محايدًا؛ بل هو، في جوهره، امتداد لهيمنة ثقافية استعمارية تجعل الاستقلال ناقصًا.

فالأمم التي لا تنتج معرفتها بلغتها، ولا تدير شؤونها بلسانها، تبقى دائمًا في موقع التابع لا الشريك.

حسم الهوية: ضرورة لا ترف

إن النقاش حول اللغة في موريتانيا ليس ترفًا فكريًا كما قد يظن البعض، بل هو سؤال استراتيجي يتعلق بمستقبل الدولة. فحسم الهوية اللغوية شرط أساسي لبناء نظام تعليمي متماسك، وإدارة فعالة، ومجتمع متصالح مع ذاته.

والرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على استمرار ازدواجية لغوية تربك المؤسسات وتعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع، بل على ترسيخ العربية لغةً للدولة والمعرفة، مع حماية اللغات الوطنية بوصفها جزءًا أصيلًا من الثراء الثقافي للبلاد.

فاللغة التي توحد المجتمع ليست تلك التي فرضها التاريخ الاستعماري، بل تلك التي تنبت من جذور الهوية نفسها.

وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحًا بوضوح:

هل تريد موريتانيا أن تتكلم بلسانها… أم تظل تفكر بلسانٍ مستعار؟

زر الذهاب إلى الأعلى