محمد عبد الله ولد بين : يكتب :”بين النقد والتحريض: حين تتحول السياسة إلى مسرح للضجيج

لم أعد – مثل كثيرين – أغترُّ بذلك الخطاب المرتفع النبرة الذي اعتدنا سماعه من بعض من يقدّمون أنفسهم باعتبارهم “ناقدي الأنظمة”. فقد بدا لي مع مرور الوقت، وبعد طول استماع وحسن ظن، أن كثيراً من هذا الكلام ليس نقداً سياسياً بالمعنى النبيل للكلمة، بل خطاب تعبوي شخصاني؛ هدفه الحقيقي ليس تقويم السياسات ولا تصويب المسار، وإنما تصفية حسابات مع أشخاص، أو تسجيل مواقف ضد نظام قائم، ولو على حساب الحقيقة والإنصاف.
إن النقد حين يفقد شروطه الأخلاقية – الدقة، والإنصاف، والموضوعية – يتحول إلى صخب سياسي بلا مضمون. والأنكى من ذلك أنه يتحول إلى وسيلة للتلاعب بعواطف الناس، واستثمار غضبهم المشروع في معارك لا علاقة لها بمصالحهم الحقيقية.
اليوم، وكأننا أمام مشهد مكرر:
كأن الذباب المأجور يعود من جديد للهجوم على الوزير الأول
المختار ولد أجاي
من زاوية الضرائب على الهواتف. فجأة، تحولت هذه المسألة إلى قضية وطنية كبرى، لا لشيء إلا لأن بعض الأصوات وجدت فيها مدخلاً مناسباً لمهاجمة الرجل، لا لمناقشة سياسة مالية بعينها.
والأطرف من ذلك أن أصواتاً من “مهرجي السياسة” بدأت تدعو إلى قيام دولة بلا ضرائب، وكأن الاقتصاد الحديث يمكن أن يقوم على الأمنيات أو الشعارات. فهل توجد دولة في العالم تدير مدارسها ومستشفياتها وطرقها ومؤسساتها دون موارد؟ أم أن الشعبوية السياسية باتت ترى في كل جهد لتنظيم الموارد العامة “جريمة سياسية” تستوجب الصراخ؟
إن المشكلة لم تعد في النقد، بل في المتاجرة بالغضب الشعبي. فالبعض يتحدث باسم المظلومين وكأن هؤلاء سلموه وكالة عامة عن الشعب الموريتاني، يتصرف بها كما يشاء. والحقيقة أن الدفاع عن المظلومين لا يكون بالخطابات الحماسية ولا بالتغريدات الغاضبة، بل بالبرامج الواقعية والسياسات الرصينة.
لقد وصلت الانتقائية ببعض هؤلاء إلى حد الاستهتار بالعقول، حين حاولوا تسويق فكرة أن “الرأي العام” يطالب بإقالة الوزير الأول عبر تصويتات افتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي. وهي مسرحية سياسية لم تكتمل أركانها، لأن الشرعية في الدول لا تُقاس بعدد النقرات على الشاشة، بل بالمؤسسات الدستورية.
إن بقاء الوزير الأول
المختار ولد أجاي
في موقعه ليس رهين ضجيج المنصات ولا حملات التحريض، بل هو مرتبط بثقة رئيس الجمهورية
محمد ولد الشيخ الغزواني
الذي كلفه بتنفيذ برنامج تنموي واضح، زكاه البرلمان الموريتاني، وتقوم الحكومة على تطبيقه في واقع اقتصادي معقد وتحديات تنموية كبيرة.
وما يثير الدهشة أن بعض خصوم الرجل لم يجدوا ما ينقمون منه سوى ثباته على قناعاته، وإيمانه بالله ووطنه، والتزامه بخيارات رئيس الجمهورية. وكأن هذه الصفات أصبحت في زمن الضجيج السياسي تهمة تستوجب المحاكمة.
إن موريتانيا اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من الصراخ، بل إلى خطاب سياسي مسؤول يفرق بين النقد والتشهير، وبين المعارضة والبروباغندا. فالأوطان لا تُبنى بالضجيج، ولا تُدار بمنطق “الترند”، بل بالعقل، والهدوء، والعمل المؤسسي.
ولعل أول خطوة في هذا الطريق هي أن يتوقف البعض عن الضحك على عقول المواطنين. فالحقد لا يصنع سياسة، والغل لا يبني دولة. بل إن الحكمة القديمة تقول: إن الغل لا يزيل النعم بقدر ما يرهق صاحبه بأمراض القلب.
أما موريتانيا، فهي أكبر من معارك الأشخاص، وأسمى من أن تُختزل في ضوضاء التحريض. إنها مشروع وطن، ومسؤولية دولة، وأمل شعب يتطلع إلى تنمية حقيقية، لا إلى مسرحيات سياسية عابرة.