إنكم تنقمون مني شبهة الانحياز للوزير الأول وبرنامج رئيس الجمهورية/ محمد عبد الله بين  

يثير دفاعي عن الوزير الأول، في سياق الجدل العمومي، ثلاث فئات من ردود الفعل: فئة تنقم علي اصطفافي، وأخرى تترفع بي عن “الانخراط في الأشخاص”، وثالثة تُثني على رصانة كتاباتي لكنها ترى أن الأولى بي تجنب الانحياز للرئيس أو للوزير الأول. وهذه المواقف، على اختلافها، تحيل إلى سؤال جوهري في الفلسفة السياسية والأخلاق العامة: هل يُطلب من المثقف الحياد في قضايا تسيير الشأن العام، أم يُنتظر منه موقفٌ واضحٌ ومعلن؟

أولًا: في مفهوم الحياد السياسي

الحياد، في معناه الأكاديمي، ليس انعدام الموقف، بل هو الامتناع عن الانخراط المصلحي أو التحزبي الضيق. غير أن الخلط الشائع يجعل من الحياد مرادفًا للصمت أو للوقوف على مسافة واحدة من جميع الخيارات، حتى وإن تعارضت في مشروعيتها أو جدواها. وهنا يبرز التمييز بين:

الحياد المعرفي: أي الالتزام بالتحليل الموضوعي، والانضباط للوقائع، وتجنب المغالطات.

الحياد القيمي: وهو الامتناع عن تبني موقف معياري من القضايا العامة.

فإذا كان الحياد المعرفي شرطًا في كل كتابة رصينة، فإن الحياد القيمي ليس شرطًا لازمًا، بل قد يكون، في بعض السياقات، إخلالًا بدور المثقف.

ثانيًا: المثقف بين الشهادة والمشاركة

في التجارب السياسية المعاصرة، لم يكن المثقف مجرد مراقب محايد، بل كان شاهدًا ومشاركًا في آن. فقد رأى بعض منظري السياسة أن المثقف يمارس “وظيفة نقدية” تجاه السلطة، بينما رأى آخرون أنه يمارس “وظيفة توجيهية” حين يساند خيارًا يراه أصلح للمجتمع.

في السياق الوطني، حين يختار رئيس الدولة فريقه التنفيذي – كما هو الحال مع رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني – فإن النقاش حول أداء الوزير الأول أو غيره لا ينفصل عن النقاش حول التوجه العام للسياسات العمومية. وعليه، فإن الدفاع عن خيار حكومي، متى تأسس على تحليل للبرامج والنتائج، لا يُعد انزلاقًا شخصانيًا بقدر ما هو انخراط في تقييم السياسات.

ثالثًا: هل الانحياز للأشخاص يناقض الرصانة؟

تُطرح أحيانًا مقولة أن الخطاب الأكاديمي يجب أن ينصرف إلى “الأفكار” لا “الأشخاص”. غير أن هذا التفريق، وإن بدا وجيهًا من حيث المبدأ، يتجاهل أن الأشخاص في النظم السياسية الحديثة هم حَمَلة البرامج ومجسِّدو السياسات. فالدفاع عن وزير أول – *كالسيد* *المختار ولد اجاي –* إذا كان دفاعًا عن خيارات إصلاحية، أو عن رؤية في محاربة الفساد، أو عن آليات تنفيذ برنامج رئاسي، فإنه في جوهره دفاع عن تصور في الحكم، لا عن شخص بمعناه البيولوجي.

المعيار الفاصل هنا هو:

هل يقوم الخطاب على تحليل موضوعي للقرارات والنتائج؟

أم يقوم على تمجيد شخصي مجرد من الحجة والبرهان؟

فإن كان الأول، فهو ممارسة فكرية مشروعة، بل مطلوبة. وإن كان الثاني، فهو خروج عن مقتضى الرصانة.

رابعًا: المثقف ومسؤولية الوضوح

تتأسس شرعية المثقف في الفضاء العام على ثلاث ركائز:

*الصدق المعرفي:* عرض الوقائع دون انتقاء مخلّ.

*الوضوح الموقفي:* إعلان الرأي دون مواربة.

*الاستقلال الأخلاقي:* تجنب الارتهان للمصلحة الشخصية.

إن المثقف الذي يلوذ بالغموض الدائم، بدعوى الترفع عن “الاصطفاف”، قد ينجو من النقد، لكنه يفقد تأثيره. أما الذي يعلن موقفه بوضوح، ويقبل النقاش حوله، فإنه يضع نفسه في دائرة المساءلة، لكنه يساهم في إثراء الحياة العامة.

وفي مجتمعات تمر بمراحل بناء مؤسسي وتنموي، يكون الصوت الفكري مطالبًا بأن يشارك في ترشيد الاختيارات، لا أن يقف متفرجًا عليها.

خامسًا: بين النقد المشروع والتقويض

يبقى الفرق دقيقًا بين النقد البنّاء والتقويض السياسي. فكما أن الدفاع عن خيار حكومي لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير أعمى، فإن معارضة ذلك الخيار لا ينبغي أن تنزلق إلى تشكيك كلي في شرعيته أو في نواياه.

وعليه، فإن الإشكال ليس في كون الكاتب “منحازًا”، بل في طبيعة هذا الانحياز:

أهو انحياز للبرنامج والإصلاح والنتائج؟

أم انحياز لشخص بمعزل عن أدائه؟

إن القول بأن “ *مثلي لا يكون* *محايدًا في سياسة تسيير الشأن* *العام* ” ليس إعلانًا عن تعصب، بل هو – متى اقترن بالمنهج والبرهان – تأكيدٌ على أن المثقف ليس كائنًا معلقًا خارج التاريخ. فإما أن يسهم برأي صادق واضح، يُنير الطريق أو يثير إشكالًا بنّاءً، وإما أن يكتفي بالتحفظ الذي لا يبني ولا يهدم.

وفي النهاية، تبقى القيمة العليا ليست في الحياد الشكلي، بل في الأمانة الفكرية: أن تقول ما تعتقد صوابَه، مستعدًا لمراجعته إن ظهر أرجح منه، وأن تجعل من الاختلاف مساحة حوار، لا ساحة تخوين.

زر الذهاب إلى الأعلى