*محمد عبد الله ولد بين يكتب* *في الحلقة الثانية من :* *استهداف الوزير الأول:* *نقد مشروع أم تقويض لخيار رئيس الجمهورية؟*

في الحلقة الأولى تناولنا الخلفيات العامة لحملة الاستهداف، أما في هذه الحلقة فنحاول تفكيك أبعادها السياسية والاقتصادية، بعيدًا عن التوصيفات الانفعالية، وبمنهج يميز بين النقد المشروع والتقويض المقصود.
إن الوزير الأول، بحكم النظام الدستوري، ليس فاعلًا مستقلًا عن خيار رئيس الجمهورية، بل هو أداة تنفيذية لبرنامجه. ومن ثمّ فإن استهدافه بشكل شخصي وممنهج يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام نقاش سياسات أم أمام مساءلة سياسية مقنّعة تمس جوهر الاختيار الرئاسي ذاته؟
أولا: بين شرعية النقد ومنطق الاصطفاف
النقد في النظم الديمقراطية ليس فقط حقًا، بل ضرورة تصحيحية. لكن النقد يصبح إشكاليًا حين يتحول إلى حملة تشكيك شاملة لا تتوقف عند حدود الأداء، بل تمتد إلى شرعية القرار السياسي نفسه.
فحين يختار فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وزيرًا أول لتنفيذ برنامجه، فإن ذلك الاختيار ليس قرارًا إداريًا عابرًا، بل تعبيرًا عن ثقة سياسية وتقدير للقدرة على التنسيق والإنجاز. وعليه، فإن تحويل النقاش من تقييم حصيلة حكومية إلى تصفية حسابات داخلية، يضعف تماسك الأغلبية قبل أن يضعف الحكومة.
ثانيا: المؤشرات الاقتصادية معيارا للحكم
بعيدًا عن الخطاب، تبقى الأرقام والمؤشرات هي الفيصل.
لقد شهدت المرحلة الماضية تحسنًا ملحوظًا في النمو الاقتصادي، وتوسيعًا للقاعدة الاستثمارية، مع تركيز على البنى التحتية الأساسية التي ظلت لعقود تمثل عنق زجاجة في مسار التنمية. معالجة اختلالات الكهرباء والمياه، وتسريع وتيرة تشييد الحجرات الدراسية، ومدّ آلاف الكيلومترات من الطرق، ليست مجرد مشاريع قطاعية، بل إعادة هيكلة صامتة للاقتصاد الوطني.
كما أن البرنامج الاستعجالي للتنمية الجهوية والمحلية لم يكن مجرد استجابة ظرفية، بل محاولة لإعادة التوازن بين المركز والهامش، وتقليص الفوارق التنموية التي طالما غذّت الإحساس بالتهميش.
وفي هذا السياق، فإن مقاربة مكافحة الفساد لم تقتصر على الشعارات، بل عززت المنظومة القانونية وأعادت الاعتبار لسلطة النص، وهو تحول بنيوي أكثر منه إعلامي.
ثالثا: هل نحن أمام صراع كفاءة أم صراع مواقع؟
اللافت في بعض الخطابات المنتقدة أنها لا تناقش الأولويات ولا تقترح بدائل، بل تركز على الشخص أكثر من المشروع. وهنا يبرز سؤال: هل الخلاف حول السياسات أم حول المواقع؟
إن أي مشروع إصلاحي، خاصة إذا بلغ نسب تنفيذ مرتفعة من برنامجه الحكومي، بطبيعة الحال سيصطدم بمراكز مقاومة؛ بعضها اقتصادي متضرر من ضبط الصفقات، وبعضها سياسي يرى في النجاح تهديدًا لحساباته المستقبلية.
وهنا تتحول المعارضة الداخلية إلى معارضة وظيفية، تُضعف المشروع من الداخل، بينما تعجز المعارضة التقليدية عن مجاراته خارجيًا.
رابعا: مخاطر إرباك الرسائل السياسية
إن إضعاف رأس الجهاز التنفيذي في لحظة تنفيذ مكثف للبرامج، يبعث برسائل سلبية إلى الشركاء الدوليين والمستثمرين، ويخلق انطباعًا بعدم استقرار القرار السياسي، وهو ما قد يؤثر في مناخ الأعمال أكثر مما يؤثر في الشخص المستهدف.
فالاستقرار الحكومي ليس ترفًا سياسيًا، بل ركيزة اقتصادية.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل الوزير الأول فوق النقد؟ بل: هل النقد يهدف إلى تحسين الأداء أم إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي على حساب مشروع اختاره الرئيس والتفّت حوله الأغلبية؟
إن التفريق بين النقد المسؤول والتقويض المتعمد هو ما سيحسم طبيعة المرحلة المقبلة. فالمشاريع الوطنية لا تنهار بسبب المعارضة المعلنة، بل بسبب التشكيك الداخلي غير المنضبط.
وفي السياسة كما في الاقتصاد، الثقة رأس مال. وإذا تآكل رأس المال المعنوي، تراجعت القدرة على الإنجاز مهما كانت الأرقام إيجابية.
وللحديث بقية في الحلقة الثالثة.