استهداف الوزير الأول: نقد مشروع ،أم تقويض لخيار رئيس الجمهورية؟ ” الحلقة الثالثة ” / بقلم محمد عبد الله بين

بعد أن تناولنا في الحلقتين السابقتين البعدين السياسي والاقتصادي لحملة الاستهداف، نقف في هذه الحلقة عند زاوية أخرى قلّما تُستحضر في النقاش العمومي، وهي البعد الأخلاقي في الالتزام السياسي، وعلاقة ذلك ببيعة وليّ الأمر، واحترام مقتضيات الموقف.
إن الدولة، في بعدها المؤسسي، تقوم على قواعد قانونية، لكنها في بعدها العميق تقوم كذلك على قيم أخلاقية تضبط السلوك السياسي. فليست السياسة مجرد حسابات مصالح، بل هي أيضًا امتحان للوفاء، واتساق القول مع الفعل، واحترام العهود.
لقد استقر في الفقه السياسي الإسلامي مفهوم السمع والطاعة في المعروف، بوصفه قاعدة لحفظ الجماعة ومنع الفوضى. وليس المقصود بذلك تعطيل النقد أو تجميد الاجتهاد، وإنما المقصود أن الخلاف لا يتحول إلى منازعة في أصل الشرعية، ولا إلى إرباك يُضعف هيبة الدولة ويشق صفها.
وقد أشار إلى ذلك غير واحد من الأئمة، ومنهم أبو حامد الغزالي حين تحدث عن أن انتظام أمر الأمة مقدَّم على كثير من المصالح الجزئية، لما في اختلاله من ضرر عام.
كما بيّن ابن تيمية أن درء الفتنة وحفظ الجماعة أصل معتبر في السياسة الشرعية، ما دام الأمر في دائرة المعروف.
وفي السياق الوطني المعاصر، فإن انتخاب رئيس الجمهورية – وهو اليوم *محمد ولد الشيخ الغزواني* – يمثل عقدًا سياسيًا بينه وبين الأمة، وبيعة دستورية تقتضي تمكينه من تنفيذ برنامجه عبر الفريق الذي يختاره. ومن مقتضى هذا العقد احترام اختياراته ما لم يظهر خطؤها البيّن بدليل واضح، لا بمجرد اختلاف تقدير أو تضارب مصالح.
إن من يعلن دعمه لوليّ الأمر، ثم يعمل في الخفاء أو العلن على إضعاف أحد أهم أعمدته التنفيذية، يقع في تناقض أخلاقي قبل أن يكون تناقضًا سياسيًا. فالوفاء بالموقف ليس شعارًا يُرفع، بل التزام عملي يقتضي الانسجام بين الخطاب والسلوك.
والسياسة الأخلاقية لا تعني الصمت عن الخطأ، بل تعني أن يكون النقد نصيحة لا تشهيرًا، وتقويمًا لا تقويضًا، وحوارًا لا تحريضًا.
وقد فرّق العلماء بين النصيحة التي تُراد بها المصلحة، والفضيحة التي يُراد بها الغلبة. الأولى تحفظ الهيبة وتُصلح المسار، والثانية تفتح أبواب الشك وتُضعف الثقة العامة.
إن من أخطر ما يصيب الحياة العامة ازدواجية الخطاب: مدحٌ في المجالس، وتحريض في الكواليس؛ إعلان ولاء في العلن، وتغذية تشكيك في الخفاء. هذه الازدواجية لا تُضعف شخصًا بعينه، بل تُضعف منظومة الثقة التي تقوم عليها الدولة.
والأخلاق السياسية، في جوهرها، هي التزام بالوضوح: إن كنت مع المشروع فكن معه بوضوح، وإن كنت ضده فعبّر عن معارضتك بوضوح. أما أن تجمع بين النقيضين، فذلك يُربك الرأي العام ويهز صورة المؤسسات.
إن بيعة وليّ الأمر في معناها الدستوري المعاصر ليست طاعة عمياء، لكنها أيضًا ليست ولاءً انتقائيًا. هي التزام باحترام شرعية الاختيار، والعمل من داخل الأطر المؤسسية لتقويم المسار إن لزم، لا من خارجها لإضعافه.
إن المرحلة التي تمر بها البلاد تحتاج إلى قدر عالٍ من النزاهة في الموقف، وصدق في الانتماء، ووضوح في الاصطفاف. فالدول لا تتماسك فقط بالقوانين، بل بالضمائر التي تحترم العهد.
وفي الختام، فإن السؤال الأخلاقي يظل حاضرًا: هل نختلف لنُصلح، أم نختلف لنُضعف؟
الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد إن كان نقدنا نصيحةً راشدة، أم تقويضًا لخياراتٍ ارتضاها الشعب عبر مؤسساته.