من يخاف ضريبة الرقمنة ( *الحلقة : السابعة* ) محمد عبد الله بين

شهدت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً هادئاً ولكنه عميق الأثر في بنية اقتصادها، عنوانه العريض: الرقمنة وثورة الاتصال. فبعد عقود من الاعتماد شبه الكلي على الأنماط التقليدية في المعاملات، برزت التطبيقات المصرفية وخدمات التحويل عبر الهاتف لتختزل الزمان والمسافات، وتكسر قيود الجغرافيا، وتفتح المجال أمام اقتصاد رقمي سريع الحركة، واسع الانتشار، قليل التكلفة.

لم يكن انتشار هذه التطبيقات مجرد تطور تقني، بل كان تحوّلاً في الثقافة الاقتصادية. فقد أصبحت عملية تحويل الأموال، التي كانت تستلزم وقتاً وجهداً وتنقلاً، تتم في ثوانٍ معدودة.

وولد هذا التحول فرصاً استثمارية جديدة، وخلق وظائف، ووسّع دائرة الشمول المالي، وأدخل فئات واسعة من المجتمع – خاصة في الداخل – إلى الدورة الاقتصادية المنظمة.

*البعد الاقتصادي:*

*توسيع الوعاء وعدالة المنافسة*

حين وسّع قانون المالية لسنة 2026 الوعاء الضريبي ليشمل

القطاع الرقمي، لم يكن ذلك استهدافاً لنجاحه، بل اعترافاً به. فالأصل في السياسات المالية الحديثة أن تخضع الأنشطة الاقتصادية – أياً كان شكلها – لمبدأ العدالة الضريبية، حتى لا يتحول التفوق التقني إلى ملاذ للتهرب، أو أداة لمنافسة غير عادلة مع القطاعات التقليدية التي تؤدي ما عليها من التزامات.

إن الاقتصاد الرقمي، بما يدره من أرباح، لا يمكن أن يبقى خارج المنظومة الجبائية، وإلا اختل ميزان المنافسة، وضعفت موارد الدولة، وتضررت الخدمات العامة. فالضرائب ليست عقوبة على النجاح، بل هي مساهمة في تمويل البنية التحتية الرقمية ذاتها: شبكات الاتصال، الأمن السيبراني، الإطار القانوني والتنظيمي.

ثم إن إدماج القطاع الرقمي في المنظومة الضريبية يعزز الشفافية ويحد من الاقتصاد الموازي، ويمكن الدولة من وضع سياسات قائمة على بيانات دقيقة، لا على تقديرات تقريبية.

*البعد السياسي:*

*بين الإصلاح والمزايدة*

غير أن هذا التوسيع أثار حفيظة بعض المتهربين من الضرائب، ومعهم قوى سياسية اعتادت استثمار كل إجراء إصلاحي في معركة شعبوية قصيرة المدى. وهنا يتجلى البعد السياسي للقضية:

هل الإصلاح المالي قرار تقني محض، أم معركة وعي ومسؤولية وطنية؟

إن تحويل النقاش من سؤال «كيف نطوّر الاقتصاد الرقمي وننظّمه؟» إلى خطاب تخويف وتحريض، يضر بالمصلحة العامة. فالدولة التي لا تواكب التحولات الاقتصادية بقوانين عادلة ومرنة، تترك فراغاً تملؤه الفوضى. والسياسة الرشيدة ليست في إرضاء الأصوات العالية، بل في حماية الاستقرار المالي وضمان استدامة الموارد.

كما أن الدفاع عن الامتيازات غير المعلنة تحت شعار «حماية الشباب المبتكر» أو «تشجيع الاستثمار» قد يخفي في طياته مصالح ضيقة لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية.

*البعد الشرعي:*

*الضريبة بين الوجوب والمصلحة العامة*

من منظور الشريعة الإسلامية، فإن الأصل في الأموال الزكاة والحقوق الواجبة، لكن الفقهاء قرروا أيضاً جواز فرض ما يُعرف بالمصالح المرسلة أو “النوازل المالية” إذا دعت الحاجة العامة، ولم تفِ الموارد الأصلية بحاجات الدولة الأساسية.

وقد قرر عدد من العلماء – قديماً وحديثاً – أن للإمام أن يفرض ما تقتضيه المصلحة العامة من التكاليف العادلة إذا كانت لحماية الأمة، وتأمين مصالحها، ودفع الضرر عنها، بشرط العدل وعدم التعسف.

فالضرائب التي تُفرض وفق قانون، وتوجه لتمويل الصحة والتعليم والأمن والبنية التحتية، تدخل في باب التعاون على البر والمصلحة العامة. أما التهرب منها، فهو اعتداء على المال العام، وإخلال بمبدأ العدل، وأكل لحقوق المجتمع بغير حق.

ولا ينسى العاقل أن رواتب الأطباء، وأجهزة المستشفيات، ورواتب المعلمين، وأمن الوطن، كلها تعتمد – بعد توفيق الله – على موارد الدولة، وفي مقدمتها الضرائب.

 

إن إدماج الاقتصاد الرقمي في المنظومة الضريبية ليس حرباً على الابتكار، بل هو انتقال به من الهامش إلى صلب الاقتصاد الوطني. وهو خطوة نحو دولة عصرية، عادلة، شفافة، قادرة على تمويل أولوياتها دون ارتهان أو عجز.

أما الضجة المفتعلة، فلن تغيّر من حقيقة أن الرقمنة مسؤولية كما هي فرصة، وأن الوطنية ليست شعارا يرفع عند المكاسب وينسى عند الاستحقاقات.

فالتحول الرقمي في موريتانيا ينبغي أن يكون جسراً نحو العدالة والتنمية، لا ثغرة للتهرب والمزايدة.

زر الذهاب إلى الأعلى