استهداف الوزير الأول: نقد مشروع أم تقويض للقرار الرئاسي؟بقلم محمد عبد الله بين

إنَّ التحريضَ على الوزير الأول والعملَ على تثوير الرأي العام ضدَّه، مع الادّعاء في الوقت ذاته بدعم الرئيس الذي اختاره وارتضاه، يطرح سؤالًا جوهريًا في منطق السياسة وأخلاق الموقف: هل يستقيم أن تُعلن الولاء لرأس السلطة التنفيذية، ثم تسعى عمليًا إلى تقويض أهم أدواته في الحكم؟

في النظام السياسي الموريتاني، يشكّل الوزير الأول ذراعًا تنفيذية مباشرة للرئيس، ومسؤولًا عن تنسيق العمل الحكومي وتنفيذ البرنامج الذي انتُخب الرئيس على أساسه. ومن ثم فإن استهدافه بصورة ممنهجة لا يُفهم إلا بوصفه استهدافًا غير مباشر لخيار الرئيس ذاته.

لقد عرفت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة نقاشات حادة حول الإصلاحات، ومحاربة الفساد، وترشيد الإنفاق، وهي ملفات حساسة بطبيعتها، تمسّ مصالح متجذرة وتثير ردود فعل متفاوتة. وفي هذا السياق، يصبح من المشروع طرح الأسئلة، وممارسة النقد، ومراقبة الأداء. غير أن الفرق شاسع بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى التقويم، والتحريض الذي يهدف إلى الإرباك أو الإضعاف أو تصفية الحسابات.

والحال أن من يعلن دعم الرئيس – مثل محمد ولد الشيخ الغزواني – ثم يعمل على نزع الثقة الشعبية من الوزير الأول الذي عيّنه، إنما يقع في أحد احتمالين لا ثالث لهما:

أولًا: إما أنه يعتقد أن الرئيس أخطأ في اختياره، وأن تقديره للرجال معيب أو قاصر، وهنا يكون المدح العلني للرئيس مجرد غطاء لفظي لا ينسجم مع الموقف الحقيقي.

وثانيًا: أو أنه يدرك صواب اختيار الرئيس، لكنه يرى في سياسات الوزير الأول مساسًا بمصالحه أو بنفوذه، فيؤثر مصلحته الخاصة على استقرار الفريق الحاكم وعلى انسجام الأداء التنفيذي.

وفي كلتا الحالتين، ثمة تناقض بيّن بين القول والفعل. فالولاء السياسي ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هو انسجام في الموقف، واتساق في السلوك، واحترام لتراتبية القرار داخل مؤسسات الدولة.

إن العمل على “تثوير” الرأي العام ليس مسألة تقنية في الخطاب، بل هو فعل سياسي له تبعاته: فهو يزرع الشك داخل مؤسسات الحكم، ويغذي الاستقطاب، ويُضعف الثقة العامة في المسار الإصلاحي. وإذا كان الهدف هو تصحيح مسار، فالقنوات المؤسسية قائمة: النقاش داخل الأطر الحزبية، والرقابة البرلمانية، والحوار المسؤول في الفضاء العمومي. أما التحريض خارج هذه الأطر، فإنه لا يخدم إلا حالة من الفوضى الرمزية والسياسية.

إن المرحلة التي تمر بها البلاد – اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا – تتطلب قدرًا عاليًا من الانضباط السياسي، لا الاصطفاف الانفعالي. فالرئيس حين يختار وزيرًا أول، إنما يختاره ضمن رؤية متكاملة، ويمنحه ثقة سياسية لتنفيذ برنامج محدد. ومن ثم فإن تقويضه هو تقويض لجزء من هذه الرؤية.

ليس معنى ذلك تحصين المسؤولين من النقد، ولا إضفاء العصمة على الاختيارات، وإنما المقصود التمييز بين النقد الإصلاحي الذي يعزز المؤسسات، والتحريض الشخصي الذي يضعفها. فالدول لا تُبنى بالهتاف، ولا تُدار بحملات التشكيك، وإنما تُبنى بالمسؤولية، وتُدار بالانسجام بين القيادة وفريقها.

وفي المحصلة، فإن من أراد دعم الرئيس حقًا، فليدعم خياراته ما لم تتبيّن خطؤها بالحجة والبرهان، وليمارس نقده في إطار احترام المؤسسات. أما الجمع بين إعلان الولاء، والعمل على تقويض أركان الاختيار الرئاسي، فذاك تناقض لا يستقيم سياسيًا، ولا يُقبل أخلاقيًا، ولا يخدم استقرار الوطن.

زر الذهاب إلى الأعلى