محمد عبد الله ولد بين يكتب في (الحلقة السادسة) *المرجفون بالتهرب من الضرائب…*مالكم لا تكفون عن الإفك؟*

في كل مرحلة إصلاح مالي جاد، ترتفع أصواتٌ تُجيد الصراخ أكثر مما تُجيد الحساب، وتُتقن بثَّ الرعب أكثر مما تُتقن قراءة الأرقام. يلوكون كلمة “الضرائب” كما لو كانت شتيمة، ويُصوّرون أداء الواجب الضريبي كأنه عقوبة، لا عقد مواطنة. هؤلاء هم المرجفون بالتهرب من الضرائب، الذين لا يتورعون عن تسويق الإفك تحت عناوين الحرية الاقتصادية والدفاع عن “المغلوبين”.
أولاً: البعد الأخلاقي – الضريبة أمانة لا جباية
الضريبة ليست غنيمة سلطة، بل أمانة مجتمع. هي مساهمة عادلة في تمويل المدرسة التي يتعلم فيها أبناؤنا، والمستشفى الذي نلوذ به عند المرض، والطريق الذي نسلكه كل يوم.
التهرب الضريبي ليس “شطارة”، بل خيانة لعقد التضامن الاجتماعي. فمن ينتفع بالخدمات العامة ثم يرفض تمويلها، إنما يأكل من مائدة الوطن ويُنكر جميلها.
في ثقافتنا وقيمنا الدينية والاجتماعية، أكل المال العام بغير حق كبيرة أخلاقية قبل أن يكون جريمة قانونية. والواجبات لا تسقط بالشعارات، ولا تُلغى بالصراخ.
*ثانياً: البعد السياسي* – الدولة بين الهيبة والابتزاز
الدولة التي تتسامح مع التهرب الضريبي تُرسل إشارة ضعف، وتفتح الباب لاقتصاد الظل، وتُقوّض ثقة الملتزمين.
أما الدولة التي تُرسّخ العدالة الجبائية، وتُطبق القانون على الجميع دون استثناء، فهي دولة تعزز المواطنة، وتحصّن الاستقرار.
إن ترويج خطاب “لا ضرائب” في دولة تحتاج إلى بناء بنيتها التحتية، وتحسين خدماتها، ليس موقفاً سياسياً مسؤولاً، بل مغامرة شعبوية.
فالسياسة الرشيدة لا تُدار بالعواطف، بل بميزان الحقوق والواجبات.
*ثالثاً: البعد الاقتصادي* – من يمول التنمية؟
راتب الطبيب، والممرض، والمعلم، ورجل الأمن…
الأجهزة الطبية، والدواء، والكهرباء، والمياه…
صيانة الطرق، ودعم الزراعة، وحماية الحدود…
كلها تُموّل من ريع الضرائب.
التهرب الضريبي يخلق اختلالاً مزدوجاً:
يضعف موارد الدولة.
يُثقل كاهل الملتزمين وحدهم.
فتختل المنافسة، ويُكافأ غير الملتزم على حساب الشريف.
وهنا تتآكل الثقة في السوق، وتتراجع الاستثمارات، ويتباطأ النمو.
لا تنمية بلا موارد. ولا موارد بلا عدالة جبائية. ولا عدالة جبائية مع الإفك والتحريض.
بين الإصلاح والافتراء
نعم، من حق المواطن أن يطالب بالشفافية.
ومن واجبه أن يُطالب بحسن تسيير المال العام.
لكن الفرق كبير بين المطالبة بالإصلاح، وبين التحريض على التهرب.
الإصلاح يُبنى بالحوار،
أما الإفك فيُبنى على التشويش.
أيها المرجفون بالتهرب من الضرائب…
اتقوا الله في أوطانكم.
لا تُلبسوا الباطل ثوب الحرص على الفقراء، وأنتم تُضعفون مورد الدولة الذي تقوم به مصالحهم.
الضريبة عقد أخلاقي قبل أن تكون التزاماً قانونياً.
ومن أراد إصلاح النظام فليُصلحه من داخله، لا أن يهدم أساسه.
فكفوا عن الإفك…
فالوطن لا يُبنى بالشائعات، بل بالمسؤولية.