الحوار خيار دولة لا استجابة لأزمة / قراءة في مقال هل يربك ملف ولد عبد العزيز مسار الحوار

تُثار بين الفينة والأخرى مقالات وتساؤلات حول خلفيات الدعوة إلى الحوار الوطني، ومحاولة ربطها بملفات قضائية أو بحسابات ظرفية. غير أن هذه المقاربات، في جوهرها، تتجاهل السياق الحقيقي الذي تنبع منه مبادرة الحوار، وتغفل عن منهجية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في التسيير، والتي لم تكن يومًا ردَّ فعل على أزمة سياسية أو اجتماعية، بقدر ما هي خيار مبدئي واستراتيجي أعلن عنه منذ الوهلة الأولى.

فالحوار الذي يدعو له رئيس الجمهورية لا يُملى عليه بضغط الشارع، ولا تفرضه حالة انسداد سياسي أو احتقان اجتماعي، بل ينتمي بوضوح إلى منهجيته في الحكم وبرنامجه الانتخابي “طموحي للوطن”، الذي جعل من التهدئة، والانفتاح، وإشراك الجميع، ركيزة أساسية لبناء الدولة وتعزيز الاستقرار.

منذ خطاب إعلان ترشحه سنة 2019، كان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني واضحًا في رؤيته لتسيير الشأن العام:

رؤية لا تقوم على الإقصاء، ولا على الغلبة، بل على إدارة الاختلاف داخل إطار وطني جامع، يحترم المؤسسات، ويُعلي من شأن الحوار كآلية طبيعية لمعالجة التباينات السياسية.

وليس من قبيل الصدفة أن يكون هو صاحب مبادرة التهدئة السياسية، وهو من فتح قنوات التواصل مع مختلف الطيف السياسي، معارضةً وموالاةً، في وقت لم تكن فيه البلاد تعيش أزمة خانقة تستدعي ذلك. وهذا ما يؤكد أن الحوار، في تصوره، ليس أداة إنقاذ ظرفية، بل نهج حكم.

كما أن التأكيد المتكرر من الرئيس على احترام القانون، واستقلال القضاء، وبناء دولة المؤسسات، ينسف أي محاولة لربط الحوار بملفات قضائية أو بتسويات خارج الإطار القانوني. فالحوار، كما يطرحه رئيس الجمهورية، لا يُناقض العدالة، ولا يُوظَّف لتعليقها، بل يسير بالتوازي مع مسار مؤسسي واضح، لكل سلطة فيه مجالها واختصاصها.

ومن هذا المنطلق، فإن المقالات التي تحاول تصوير الحوار وكأنه قابل للإرباك بسبب هذا الملف أو ذاك، تبدو خارج سياق المبادرة وأهدافها الحقيقية، بل وتوحي – عن قصد أو غير قصد – بمحاولة التشويش على مسار وطني اختير له أن يكون جامعًا ومسؤولًا.

غير أن سياسة الإرباك هذه لن تنجح، لأن الحوار يستند إلى إرادة سياسية صادقة، وإلى رصيد من الثقة بُني عبر سنوات من التهدئة والانفتاح، لا إلى مناورات ظرفية أو تحالفات هشة. كما أن مولاة الخارجين على القانون، أو محاولة تلميعهم سياسيًا، لن تشكّل قيمة مضافة للحوار، بل قد تُفرغه من معناه وتشوّه أهدافه.

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في التشكيك في نوايا الحوار، بل في إنجاحه عبر التعاطي معه بروح وطنية، تفصل بين ما هو سياسي وما هو قضائي، وتُدرك أن قوة الدولة لا تكمن في تعطيل القانون، ولا في إرباك المسارات، وإنما في وضوح الرؤية، وثبات المنهج، واحترام المؤسسات.

والحوار، بهذا المعنى، ليس موضع خلاف، بل فرصة وطنية ينبغي أن تُحصَّن من محاولات التشويش، وأن تُقرأ في إطارها الصحيح: خيار رئيس آمن منذ البداية بأن الاستقرار الدائم لا يُبنى إلا بالشراكة، والهدوء، والاحتكام إلى القانون.

زر الذهاب إلى الأعلى