محمد عبد الله بين يكتب /مدائن التراث الموريتاني” ذاكرة الصحراء بين التاريخ والمسؤولية الأخلاقية”

ليست وادان وشنقيط وتيشيت وولاتة مجرد أسماء مدنٍ قديمة، ولا أطلالًا صامتة على هامش الجغرافيا، بل هي خلاصة تجربة حضارية فريدة تشكّلت في قلب الصحراء الكبرى، حيث التقت التجارة بالعلم، والعمران بالقيم، والبيئة القاسية بإرادة الإنسان. هذه المدن، المصنّفة ضمن التراث العالمي، تمثل اليوم سؤالًا مفتوحًا حول علاقتنا بتاريخنا، وكيف نصونه دون أن نُفرغه من معناه.
فهذه مدن صنعت المعرفة من الرمل
نشأت مدائن التراث في سياق ازدهار التجارة العابرة للصحراء، حين كانت القوافل تربط المغرب والأندلس ببلاد السودان، حاملة الملح والذهب والكتب. وفي هذا الفضاء المفتوح، تحوّلت شنقيط ووادان إلى مراكز علمية بارزة، ارتبط اسمهما بالمحاظر، والمخطوطات، والرحلات العلمية، فيما أدّت تيشيت وولاتة أدوارًا تجارية وثقافية مكملة، جعلت من هذه المدن منظومة حضرية متكاملة، لا مجرد تجمعات معزولة.
لكن القيمة الحقيقية لهذه المدن لا تكمن في عمرانها الطيني وحده، بل في كونها أنساقًا ثقافية حافظت على مكانة العلم، ورسّخت الضبط الاجتماعي، وأسست لعلاقات قائمة على التكافل والاحترام المتبادل. وهو ما يجعل دراستها اليوم تتجاوز الوصف الأثري إلى مساءلة أدوارها في بناء الإنسان والذاكرة.
التراث بوصفه مسؤولية أخلاقية
يطرح واقع مدائن التراث مقاربة أخلاقية لا تقل أهمية عن المقاربة التاريخية. فأول هذه الأبعاد هو أخلاق الذاكرة، التي ترفض اختزال هذه المدن في صور سياحية أو خطابات احتفالية، وتصرّ على التعامل معها بوصفها ذاكرة حيّة لتجارب بشرية معقّدة، لا يمكن فصلها عن أهلها وتاريخهم.
ويبرز ثانيًا بعد أخلاق الصون، حيث لا تقتصر الحماية على ترميم الجدران والأسوار، بل تشمل الحفاظ على النسيج الاجتماعي، واحترام أنماط العيش التقليدية، وتجنّب التدخلات الفوقية التي قد تحوّل التراث إلى ديكور ثقافي منزوع الروح.
أما البعد الثالث، فيتعلق بـ أخلاق المعرفة، إذ يقتضي البحث في مدائن التراث التزامًا علميًا صارمًا، واحترام الروايات المحلية والذاكرة الشفوية، وتجنّب توظيف التراث في صراعات رمزية أو سياسية، تُفقده حياده وقيمته الإنسانية.
تواجه مدائن التراث اليوم تحديات متشابكة، في مقدمتها التراجع الديمغرافي الناتج عن الهجرة نحو المدن الحديثة، وما يرافقه من تفكك اجتماعي وفقدان للاستمرارية الثقافية.
كما تشكّل الهشاشة البيئية، وزحف الرمال، والتغيرات المناخية خطرًا حقيقيًا على البنية العمرانية التقليدية.
ويُضاف إلى ذلك ضعف سياسات الحماية، وغياب استراتيجيات متكاملة للصون، فضلًا عن توظيف سياحي غير منضبط، قد يحوّل التراث إلى سلعة استهلاكية، بدل أن يكون رافعة للوعي والتنمية.
إن صون مدائن التراث لا يمكن أن ينجح دون مقاربة تكاملية، تجمع بين حماية الحجر وصون المعنى. فالتكامل بين التراث المادي واللامادي، وإشراك الساكنة المحلية في اتخاذ القرار، وتعزيز البحث الأكاديمي المتعدد التخصصات، تمثل جميعها شروطًا أساسية لحماية مستدامة.
كما أن ربط التراث بالتنمية المحلية، من خلال مشاريع تحترم الهوية وتوفر شروط العيش الكريم، يظل الخيار الوحيد القادر على إبقاء هذه المدن حيّة، لا متاحف مفتوحة بلا سكان.
إن مدائن التراث الموريتاني ليست عبئًا من الماضي، بل فرصة للمستقبل. فهي تقدّم نموذجًا فريدًا لقدرة الإنسان على إنتاج المعرفة والتعايش والإبداع في بيئة قاسية، وتذكّرنا بأن الحفاظ على التراث ليس حنينًا رومانسيًا، بل فعل مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان والتاريخ والأجيال القادمة.
وإذا كان صون مدائن التراث يقتضي حماية مادتها ومعناها في آنٍ واحد، فإن الرهان الأعمق يتمثل في تحويل الذاكرة إلى فعل ثقافي حي، يربط الماضي بالحاضر، ويجعل التراث عنصرًا فاعلًا في الزمن الراهن لا شاهدًا عليه فقط. فمدائن مثل شنقيط ووادان وتيشيت وولاتة لم تُنتج تاريخًا منغلقًا، بل راكمت خبرات معرفية وقيمًا اجتماعية ما تزال قابلة للاستدعاء والتفعيل.
إن الدور التاريخي لهذه المدن بوصفها مراكز للعلم والتبادل الثقافي يتيح اليوم إعادة إدماجها في مشروع تنمية ثقافية واعية، تقوم على استثمار الرأسمال الرمزي الذي تحمله: من ثقافة المخطوط، إلى المحظرة، إلى العمارة التقليدية والحِرَف المحلية. وبهذا المعنى، لا يكون التراث مجالًا للحفظ فقط، بل رافعة للتنمية الثقافية، تخلق فرصًا للبحث، والإبداع، والعمل الثقافي، وتسهم في تثبيت السكان وإعادة ربطهم بمدنهم.
إن هذا الربط بين الماضي والحاضر يمنح التراث وظيفة مستقبلية، ويحرّر مدائن التاريخ من وضعية “المدينة المتحفية”، ليجعلها فضاءات منتجة للمعنى، وقادرة على الإسهام في تنمية تحترم الهوية، وتستثمر التاريخ دون أن تستهلكه.
> وتنسجم هذه المقاربة مع رؤية فخامة رئيس الجمهورية التي تؤطر الثقافة ضمن منظور تنموي شامل، يجعل من الثروة الثقافية، وبخاصة مدائن التراث، موردًا استراتيجيًا قائمًا على المعرفة والعلم، وليس مجرد رصيد رمزي أو تاريخي. فهذه المدائن بما تختزنه من عمران تقليدي، ومخطوطات، ونظم اجتماعية، وأنماط عيش، تمثل حقولًا متعددة التخصصات للبحث العلمي في مجالات التاريخ، والأنثروبولوجيا، والعمارة، والاقتصاد الثقافي، بما يسمح بإعادة قراءتها وتثمينها ضمن مقاربات علمية حديثة.
وتبرز أهمية مدائن التراث بوصفها فضاءات قادرة على إنتاج قيمة مضافة مستدامة، من خلال إدماجها في سياسات السياحة الثقافية، والتعليم العالي، والابتكار، والصناعات الإبداعية، وهو ما يحولها إلى رافعة للتنمية المحلية، ويعزز دورها في تنويع الاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق، جاءت برامج حكومة معالي الوزير المختار ولد اجاي لتؤكد الانتقال من خطاب الحماية والصون إلى منطق التثمين والحوكمة، عبر برمجة مشاريع تستهدف حفظ الموروث المادي واللامادي، وتأهيل البنية التحتية، ودعم البحث الأكاديمي، وبناء القدرات المحلية، بما يضمن استدامة هذه المدائن وحضورها الفاعل في الدورة الاقتصادية.
ويعكس هذا التوجه التقاءً واضحًا بين الرؤية السياسية العليا والطموح الوطني، حيث يُنظر إلى التراث، وخاصة مدائن التراث، باعتباره اقتصادًا علميًا يقوم على الاستثمار في المعرفة، وتكامل السياسات الثقافية والتعليمية والاقتصادية، بما يسهم في ترسيخ التنمية الشاملة، وتعزيز الهوية الوطنية، وتدعيم إشعاع الوطن الحضاري في الفضاءين الإقليمي والدولي.