لو كان عبد الناصر حيًا/ محمد عبد الله بينا

محمد عبد الله بينا يكتب ،لو كان عبد الناصر حيا ؛

لو كان جمال عبد الناصر حيًا اليوم، لوقف مذهولًا أمام ما آل إليه حال الأمة التي نذر لها عمره. كان سيجد وطنًا عربيًا مشرذمًا، تتنازعه الأزمات الداخلية، وتنهشه التبعية من كل جانب. فبعد أن كانت العروبة في زمانه مشروعًا للتحرر والوحدة، أصبحت اليوم كلمة باهتة على أطراف الخطابات الرسمية.

فلو كان عبد الناصر حيا لما كانت غزة العزة على ما هي عليه اليوم من دمار وإبادة.

ولو كان عبد الناصر حيا لما كان ميناء رفح مغلقا إلى اليوم.

لقد كان عبد الناصر يؤمن أن الكرامة الوطنية هي جوهر الوجود السياسي للأمة، وأن الاستقلال لا يكتمل إلا بالتحرر من كل أشكال الوصاية. كان يردد أن *الحرية لا تُستجدى، وأن القرار الوطني لا يُستعار.*

فلو كان حيًا، لربما تساءل — كما نتساءل نحن اليوم:

> أين عبد الناصر من واقع التفكك والقهر؟

أين هو من التبعية والخضوع، من ضياع البوصلة، ومن عجز الأمة عن حماية مصالحها؟

أين عبد الناصر من العروبة التي كانت حلمًا، فأصبحت عنوانًا للنزاع؟

أين هو من القضية الفلسطينية التي كانت جوهر الوجدان العربي، فأضحت خبرًا في نشرات المساء؟

 

*لو كان عبد الناصر حيًا* ، لكان أول ما فعله أن يُعيد الاعتبار لفكرة الوحدة العربية كخيار استراتيجي لا كشعار عاطفي. كان سيقول إن الأمة التي تتناحر على الحدود لا تملك قرارها، وإن ثرواتها التي تُستنزف في الصراعات لا يمكن أن تبني مستقبلًا مشتركًا.

كان سيقف أمام مشاهد الفقر والتهميش والبطالة، فيعلن من جديد أن العدالة الاجتماعية ليست ترفًا فكريًا، بل هي شرطٌ أساسي للحرية والاستقرار. كان سينتقد اقتصادًا يعتمد على الخارج، وإعلامًا يبرر الفشل، وتعليمًا لا يحرر العقول.

 

ولو نظر عبد الناصر إلى المشهد العربي الراهن، لرأى أمةً فقدت بوصلة التضامن، واستسلمت لمعادلات القوة دون أن تحاول تغييرها. لربما صاح من جديد:

> “ *إن الكرامة لا تُوهب، بل تُنتزع، وإن الاستقلال لا يكتمل ما دام القرار الوطني يُملى من الخارج.”*

غير أن استحضار عبد الناصر اليوم لا يجب أن يكون حنينًا إلى الماضي، بل دعوة لاستعادة روح المشروع النهضوي الذي حمله: مشروع (الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية).

فالعالم العربي لا يحتاج إلى نسخة مكررة من عبد الناصر، بل إلى جيلٍ جديدٍ يؤمن بما آمن به، ويملك شجاعته في مواجهة الواقع، وقدرته على الحلم بالمستقبل.

فلو كان عبد الناصر حيًا، لذكّرنا بأن التاريخ لا يرحم المترددين، وأن الشعوب التي تنام على الهزيمة تستيقظ على النسيان، ولأعاد إلى وجداننا ذلك الإيمان البسيط العميق بأن أمةً تملك إرادة الحياة لا يمكن أن تُهزم.

زر الذهاب إلى الأعلى