حين يصبح الموظف مدينا لمن “أوصله”، / الحسن اعمر بلول

في كل مرة تُشغل وظيفةٌ بمن لا يملك مؤهلاتها، ويُقصى من يملكها، لا تكون المشكلة في الشخص وحده، بل في معيار تسلل إلى أو كاد يسكن مؤسساتنا بهدوء: الانتماء بدل الكفاءة.
القبيلة ليست عيبا في حد ذاته ولا ينبغي لها. إنها وعاء و شبكة تضامن وذاكرة اجتماعية، ووظيفتها الأصلية أن تحمي الضعيف، لا أن تفتح الأبواب لمن لا يستحقها. لكن حين تتحول من رابطة اجتماعية إلى وسيلة استحواذ على الوظيفة العامة، فإنها تُفسد وظيفتها، وتُفسد معها المؤسسة.
المشكلة بنيوية قبل أن تكون فردية. حين تغيب معايير التقييم المكتوبة، وتغيب الشفافية في التوظيف والترقية، وتغيب المساءلة، يصبح الولاء بديلا طبيعيا للجدارة. وحين يصبح الولاء معيارا ، يصبح الموظف مدينا لمن “أوصله”، لا للمؤسسة ولا للمجتمع.. فتحل التفاهة محل الرزانة وتتقوى مظاهر الشعبوية والزيف والتزوير ..
والنتيجة ليست أخلاقية فقط، بل تنموية أيضا : كفاءات تُقصى وتهاجر، خدمات تتراجع، مناصب يشغلها من لا يحسنها، وشعور متزايد بالتهميش لدى من لا يملكون شبكات نافذة. وهكذا يعاد إنتاج التفاوت: امتياز اليوم يصبح امتيازا موروثا غدا.
ولا يصح التذرع بـ”دعم أبناء المنطقة” أو “هكذا ثقافتنا” أو “الجميع يفعل ذلك”. إن التضامن المشروع شيء، والاستحواذ على حق الغير شيء آخر. و إن العرف لا يلغي المعيار، والخطأ الشائع لا يصبح صوابا بتكراره.
وقد جاء في هذا السياق موقف رسمي لا لبس فيه. في نوفمبر 2025، بل في مناسبات كثيرة، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني صراحة أنه يحظر على موظفي الدولة وأعوانها، باعتبارهم رموزا للدولة، تنظيم أو حضور أي فعاليات ذات طابع قبلي أو جهوي، وأنه لن يكون بعد اليوم أي تسامح مع استخدام القبيلة أو المنطقة أو الشريحة في ممارسات تتناقض مع مبادئ الدولة الوطنية. وقال إن الانتماء الوطني يجب أن يعلو على كل اعتبار ويسبق كل انتماء آخر. هذا الموقف يستحق التأييد، لكنه يضع المؤسسات أمام اختبار حقيقي: هل يترجم إلى إجراءات قابلة للتنفيذ في التقييم والترقية والتوظيف، أم يبقى مجرد تصريح لفخامة الرئيس تتمنع جهات من تنفيذه وتضع العراقيل في وجهه ؟
إن النقد لا يكتمل إلا إذا تحول إلى قاعدة قابلة للتنفيذ والمساءلة. ولا زلنا الى يومنا هذا نرى أطرا يستغلون قبائلهم في المناسبات وفي غير المناسبات، ويحسبون ذلك عملا سياسيا وطريقا الى الترقية والحظوة والامتياز أو الحفاظ على المكانة.
ما العمل؟
1- الشفافية: وتعني معايير مكتوبة للتقييم، وإعلان نتائج التوظيف والترقية. ؛
2- المساءلة: آليات شكوى فعّالة، وهيئات رقابية لا تغض الطرف.
3- التوثيق : لا نقد بلا دليل، ولا إصلاح بلا وقائع.
نقدنا يجب أن يستهدف الممارسة لا الهوية، والنظام لا الأفراد وحدهم. فليس كل من ينتمي لقبيلة وصل بالوساطة، وليس كل وساطة قبلية. لكن ما دام الباب مفتوحا بلا معيار، فسيظل هناك من يدخل منه بغير حقه، و يقف عند عتبته من يُقصى بغير ذنب.
الجدارة ليست ترفا، بل شرط بقاء المؤسسات. ومن يريد بناء وطن عليه أن يبنيه على الكفاءة.
أحيي الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، وسعيه الدؤوب لتنفيذ برنامج وتوجيهات رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، لتحديث المجتمع والدولة وتوكيد دعائم اللحمة الوطنية بالسهر على العدالة الاجتماعية ومحاربة كل أشكال الغبن والتهميش.
#موريتانيا-للجميع.
من صفحة د. الحسن أعمر بلول .