نعم، أطالب بمأمورية ثالثة… أفليس من حقي أن أعبّر عن إرادتي؟/ بقلم: محمد عبد الله ولد بين

أطالب بمأمورية ثالثة…! وأطرح هذا الموقف علنًا، لا من باب الاستفزاز، ولا رغبةً في مصادرة رأي المخالفين، وإنما انطلاقًا من قناعة سياسية أرى أن من حقي التعبير عنها، ومن واجبي الدفاع عنها بالحجة والمنطق، في إطار الحوار الوطني المسؤول.
فهل أصبح التعبير عن هذا الرأي جريمة سياسية؟ وهل يجوز أن تتسع الديمقراطية لكل المطالب والآراء، ثم تضيق حين يتعلق الأمر بمطلب لا ينسجم مع قناعات بعض النخب أو حساباتها السياسية؟
إن جوهر الديمقراطية ليس أن نسمح للآراء التي توافقنا وحدها بالتعبير عن نفسها، بل أن نقبل بحق الآخرين في طرح ما يخالفنا، ما داموا يلتزمون السلمية ويحترمون القانون، ويحتكمون إلى الوسائل المشروعة في الدفاع عن مواقفهم.
أوليس من حق المواطن أن يناقش الدستور، وأن يطالب بمراجعته، وأن يدعو إلى تعديل بعض أحكامه؟
إن الدستور، على علوّ مكانته، ليس نصًّا خارج التاريخ، ولا وثيقةً يُحظر على الأجيال مناقشة أحكامها. إنه العقد الناظم للحياة العامة، والمرجع الذي يحدد طبيعة الدولة، وحقوق المواطنين وواجباتهم، وشروط ممارسة السلطة وتداولها. ومن ثم، فإن مناقشة أحكامه تظل جزءًا من الحياة السياسية، وإن كانت مراجعته مقيدة بإجراءات وضوابط لا يجوز تجاوزها.
لكن المفارقة التي تستحق النقاش هي أن بعض الأصوات التي تدافع بشدة عن حرية التعبير حين تتبنى مواقفها، قد تتحول إلى خصم لهذه الحرية عندما يعبّر غيرها عن رأي لا يروق لها.
لقد شهدنا دعوات ومواقف تطالب بإعادة النظر في اختيارات لغوية وثقافية ذات مكانة دستورية، كما شهدنا خطابات متشددة تتجاوز النقد السياسي إلى التشكيك في أسس الوحدة الوطنية، فضلًا عن مواقف فكرية ودينية تتعارض مع معتقدات قطاعات واسعة من المجتمع. ومع ذلك، فإن المعيار العادل لا ينبغي أن يكون هوية صاحب الرأي أو مدى اتفاقنا معه، بل طبيعة ما يدعو إليه، ومدى احترامه للقانون وحقوق الآخرين ووحدة الوطن.
ولا يعني ذلك التسوية بين قضايا مختلفة في طبيعتها أو أحكامها، وإنما يعني رفض ازدواجية المعايير: فلا يجوز أن نطالب بحرية التعبير لأنفسنا، ثم ننكرها على غيرنا لمجرد اختلاف المواقف.
أما المأمورية الثالثة، فليست مجرد شعار يُرفع أو رغبة سياسية تُفرض؛ إنها قضية دستورية وسياسية ينبغي تناولها بوضوح ومسؤولية.
صحيح أن الدستور الموريتاني النافذ يحدد مدة المأمورية الرئاسية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، كما تنص المادة 28، وتحظر المادة 99 الشروع في مراجعة دستورية تمس مبدأ التناوب الديمقراطي والحد المرتبط به لعدد المأموريات. ولذلك، فإن الدعوة إلى مأمورية ثالثة تصطدم بقيود دستورية صريحة في النص الحالي، ولا يجوز تجاهلها أو الادعاء بأن الإرادة الشعبية وحدها تُسقطها تلقائيًا.
غير أن الإقرار بهذه الحقيقة القانونية لا يقتضي إسكات النقاش السياسي حول طبيعة النظام الدستوري، ولا تحويل كل من يطرح رأيًا في مستقبل الحكم إلى متهم في ديمقراطيته أو وطنيته. فثمة فرق جوهري بين المطالبة السياسية التي تعبّر عن قناعة صاحبها، وبين اتخاذ إجراء رسمي يخالف الدستور النافذ.
ومن حقي، بوصفـي مواطنًا، أن أعلن تأييدي لمأمورية ثالثة، وأن أقدم مبرراتي السياسية، وأن أدعو إلى نقاش وطني جاد حول الخيارات الدستورية ومستقبل البلاد. ومن حق الآخرين أن يعارضوني، وأن يقدموا حججهم دفاعًا عن التداول على السلطة، من دون تخوين أو إقصاء أو مصادرة لحق أي طرف في التعبير السلمي.
إننا لا نختلف على أن التداول السلمي على السلطة مبدأ أساسي في الديمقراطية، ولا على أن احترام الدستور واجب على الحاكم والمحكوم. لكن الخلاف قد يقع حول تقييم التجارب السياسية، ومعايير الاستمرار والتغيير، والكيفية التي تُصان بها المصلحة الوطنية. وهنا ينبغي أن تتقدم الحجة على التخوين، وأن يحل الحوار محل الأحكام المسبقة.
فإذا كان بعض المواطنين يرون أن مصلحة البلاد تقتضي تغيير القيادة عند انتهاء المأمورية الثانية، فمن حقهم الدفاع عن هذا الموقف. وإذا رأى آخرون أن استمرار القيادة نفسها قد يخدم مشروعًا وطنيًا يعتقدون أهميته، فمن حقهم أيضًا التعبير عن رأيهم، في الحدود التي يرسمها القانون.
أما الحسم في ممارسة السلطة، فلا يكون بالرغبات الفردية، ولا بالضجيج الإعلامي، ولا بادعاء امتلاك الحقيقة وحده، وإنما بالمؤسسات الدستورية والآليات القانونية التي تحكم الدولة.
إن الديمقراطية التي ننشدها لا تكتمل بمجرد الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، بل تحتاج كذلك إلى ثقافة سياسية تتقبل الاختلاف، وتحترم القانون، وتنبذ الإقصاء، وتؤمن بأن الوطن أكبر من خلافات النخب ومنافساتها.
وخلاصة موقفي واضحة: نعم، أطالب بمأمورية ثالثة، وأدافع عن حقي في طرح هذا المطلب ومناقشته علنًا. لكنني لا أزعم أن هذه المطالبة، بمجرد صدورها عن مواطن أو حتى عن أغلبية سياسية، تمنح أحدًا حق تجاوز الدستور النافذ.
فلا قداسة للآراء السياسية تمنع مناقشتها، ولا حصانة للمواقف المخالفة تمنع نقدها، ولا ينبغي أن تكون حرية التعبير امتيازًا يحتكره فريق دون آخر.
إن احترام الدستور يبدأ بالالتزام بأحكامه القائمة، كما أن احترام الديمقراطية يقتضي عدم مصادرة حق المواطنين في النقاش والتعبير السلمي.
وبين الأمرين، يتحدد الموقف المسؤول: أن أقول ما أؤمن به، وأن أقبل حق غيري في مخالفتي، وأن نحتكم جميعًا إلى القانون، لا إلى الأهواء ولا إلى ازدواجية المعايير.
فهل نريد ديمقراطيةً تتسع لاختلاف الآراء، أم ديمقراطيةً لا يُسمح فيها إلا بالرأي الذي نرضى عنه؟