بين نقد الزيارة ونقد الدولة* قراءة في «هوامش على زيارة الرئيس» للسالك سيدي محمود /محمد عبد الله ولد بين

من حق النائب السابق السالك ولد سيدي محمود أن يسائل رئيس الجمهورية، وأن ينتقد أداء السلطة، وأن يضع أمام الرأي العام ما يراه اختلالات في الحكم والإدارة والحياة السياسية؛ فالديمقراطية لا تُقاس بمدى رضا السلطة عن النقد، وإنما بقدرة الدولة على استيعاب الاختلاف وتحويله إلى فرصة للمراجعة والإصلاح.
لكن النقد السياسي، مهما علت نبرته، لا يستقيم إذا تحولت الأسئلة البلاغية إلى أحكام نهائية، وإذا أُخرجت الوقائع من سياقاتها، أو جرى اختزال سبع سنوات من حكم بلد معقد في صورة واحدة: نظام مشيخي، وزيارات استعراضية، وخطابات بلا أفعال.
وهنا تبدأ الحاجة إلى نقاش آخر؛ أكثر هدوءاً، ولكنه أكثر صرامة.
أولاً: هل نحن أمام «نظام مشيخي» أم أمام دولة تعاني من بقايا بنية اجتماعية قديمة؟
وصف النظام بأنه «أقرب إلى نظام مشيخي من نظام دولة حديثة» عبارة ثقيلة، ولا تكفي لإثباتها كثرة الأسئلة.
فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بطريقة استقبال الرئيس في الولايات أو بحضور الأعيان والوجهاء في مهرجاناته، وإنما تُقاس أيضاً بوجود المؤسسات، وبانتظام الموازنات، وبالقوانين، وبعمل البرلمان، وبالقضاء، وبالإدارة، وبقدرة الدولة على إنتاج السياسات العامة وتنفيذها.
ومن هذه الزاوية، فإن اختزال الدولة في مظاهر اجتماعية موروثة يخلط بين ما تعاني منه الدولة الحديثة من رواسب المجتمع التقليدي، وبين كون الدولة نفسها قد تحولت إلى نظام مشيخي.
ثم إن ظاهرة الوجاهة والقبلية والاستعراض الاجتماعي ليست اختراعاً لهذه المرحلة، ولا يمكن تحميل رئيس واحد مسؤولية بنية اجتماعية تراكمت عبر عقود. النقد الجاد هنا لا ينبغي أن يكتفي بوصف الظاهرة، بل عليه أن يسأل: ما السياسات التي أضعفتها؟ وما السياسات التي كرستها؟ وما البديل المؤسسي الممكن؟
ثانياً: قانون الرموز وحرية التعبير… نعم للنقاش، ولكن لا لاختزال المشهد
من المشروع تماماً مناقشة قانون حماية الرموز الوطنية وحدود حرية التعبير، بل إن المجلس الدستوري نفسه أبطل في نوفمبر 2024 جزءاً من إحدى فقرات القانون لما رآه مخالفاً لمبدأ المساواة ومضيقاً لحرية التعبير. وهذه واقعة مؤسسية مهمة ينبغي أن تكون جزءاً من النقاش.
لكن القول إن الدولة «جردت النواب من حرياتهم السياسية» يحتاج إلى تحديد الحالات والأسماء والأحكام والمسارات القضائية، لا إلى إطلاقه على عواهنه.
فالسياسة الجادة لا تخشى الأرقام والوقائع والتواريخ.
وإذا كان المطلوب الدفاع عن حرية التعبير، فذلك حق أصيل؛ وإذا كان المطلوب نقد تطبيق القانون، فليكن النقد محدداً في النصوص والوقائع والأحكام. أما الانتقال من واقعة أو قانون إلى حكم شامل على طبيعة النظام كله، فهو انتقال يحتاج إلى أكثر من البلاغة.
ثالثاً: الحوار السياسي… هنا تختبر الذاكرة السياسية
يقول المقال إن النظام «تلكأ بل تراجع أكثر من مرة عن كل طلبات الحوار السياسي حتى مضى على حكمه سبع سنوات».
وهذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى ضبط زمني.
ففي مارس 2025 أعلن رئيس الجمهورية صراحة تمسكه بالحوار الوطني الجامع، وقال إن التشاور والحوار هما السبيل الأمثل لتدبير الشأن العام والتعاطي مع القضايا الوطنية الكبرى. وفي أكتوبر من العام نفسه تسلم تقرير المرحلة الأولى من تحضيرات الحوار. ثم وقعت القوى السياسية في يوليو 2026 الوثيقة المرجعية للحوار الوطني، بعد مسار تحضيري استغرق عاماً وأربعة أشهر بحسب منسق الحوار.
قد يقال إن الحوار تأخر، أو إن مساره كان ينبغي أن يبدأ قبل ذلك، أو إن مخرجاته ينبغي أن تكون أعمق وأسرع. كل ذلك قابل للنقاش.
أما القول إن الحوار رُفض حتى نهاية السنوات السبع، فهو لا ينسجم مع الوقائع المعلنة منذ 2025 وصولاً إلى الوثيقة المرجعية الموقعة في يوليو 2026.
وهنا يظهر الفرق بين النقد الذي يصحح الواقع، والنقد الذي يحتاج إلى تصحيح بعض مقدماته قبل أن يحاكم الواقع.
رابعاً: الرئيس ليس فوق النقد، لكنه ليس مسؤولاً عن كل تاريخ موريتانيا
من أكثر ما يستوقف القارئ في المقال سؤال الكاتب عن إسهام الرئيس في الواقع الذي ينتقده، بحكم موقعه في الدولة منذ 2005.
وهذا سؤال سياسي مشروع في جوهره، لكنه إذا أريد له أن يكون منصفاً ينبغي أن يمتد إلى جميع من شاركوا في صناعة الدولة خلال العقود الماضية، لا أن يتحول إلى محاكمة انتقائية.
موريتانيا لم تبدأ في 2008، ولم تنتهِ في 2019، ولم تتوقف الحياة السياسية عند انقلاب أو انتخابات بعينها.
والرئيس الحالي يتحمل مسؤولية ما وقع في عهده، كما يتحمل كل مسؤول سياسي مسؤوليته عن قراراته ومواقفه، لكن الدولة ليست صفحة بيضاء كتبها رجل واحد، ولا الخراب ـ إن وجد ـ من صنع رجل واحد، ولا الإصلاح منجز رجل واحد.
ومن هنا فإن استدعاء الماضي ينبغي أن يكون بغرض الفهم لا بغرض توزيع صكوك البراءة والإدانة.
خامساً: أخطر ما في المقال هو تحويل «السؤال الكبير» إلى تهمة
الرئيس سأل: إلى أين نسير؟ وأي وطن نريد؟ وما الذي نريده لموريتانيا؟
يمكن أن يختلف الناس في توقيت السؤال، وفي طريقة طرحه، وفي مستوى الإنجاز الذي يجب أن يرافقه. لكن ليس من الحكمة السياسية تحويل مجرد طرح الأسئلة الكبرى إلى دليل إدانة.
الدول لا تتقدم فقط بالمشاريع الإسمنتية، وإنما تتقدم أيضاً حين تعيد تعريف مشكلاتها.
والسؤال عن الوطن ليس درساً مدرسياً في الأخلاق، بل سؤال في طبيعة الدولة، ووظيفة المؤسسات، والعدالة، والمواطنة، والتنمية، والانسجام الاجتماعي، وموقع الإنسان من السياسات العامة.
وقد يكون من حق الكاتب أن يقول: نريد أفعالاً أكثر وخطابات أقل.
لكن الرد المنطقي ليس إسكات السؤال، وإنما مطالبة صاحبه بتحويل السؤال إلى سياسات قابلة للقياس، وتحويل السياسات إلى نتائج قابلة للمساءلة.
وهذه بالضبط هي وظيفة المعارضة الرشيدة.
سادساً: الزيارات الرئاسية ليست فوق النقد… لكنها ليست بالضرورة «تلهية للشعب»
انتقاد تكاليف الزيارات، وحجم الوفود، وأثرها على سير المرافق العمومية، وحضور المسؤولين، وطبيعة الاستقبالات الشعبية؛ كلها مسائل مشروعة يمكن إخضاعها للتدقيق المالي والإداري.
لكن القول إن الزيارات الرئاسية ليست إلا وسيلة «لتلهية المواطنين وتسليتهم عما يعانون» ليس حقيقة تثبتها مجرد الزيارة؛ إنه تفسير سياسي.
والفرق كبير بين الأمرين.
فالزيارة الميدانية يمكن أن تكون احتفالاً بروتوكولياً، ويمكن أن تكون مناسبة للاستماع، ويمكن أن تكون وسيلة لتقييم المشاريع، ويمكن أن تحمل شيئاً من كل ذلك.
والحكم عليها ينبغي أن يكون من خلال نتائجها وكلفتها ومردودها، لا من خلال النية المفترضة وراءها.
سابعاً: أما رقم «7000 مليار أوقية» فيحتاج إلى ميزان الحساب لا ميزان الخطابة
أورد المقال أن الحكومة أنفقت خلال سبع سنوات نحو 7000 مليار أوقية، مع ربط الرقم بعدم حل مشكلات الماء والكهرباء.
وهذه قضية مالية كبيرة لا يصح أن تمر دون تدقيق في وحدة العملة، والسنوات المعنية، وما إذا كان المقصود الاعتمادات المرصودة أم النفقات المنفذة، وما يدخل في الميزانية العامة وما يدخل خارجها.
فميزانية الدولة لعام 2025 وحدها، مثلاً، حُددت إيراداتها ونفقاتها بنحو 116.87 مليار أوقية جديدة، أي ما يعادل أكثر من تريليون أوقية قديمة، وفق وزارة المالية.
لذلك فإن أي حديث عن «7000 مليار» يجب أن يحدد بدقة: هل هي أوقية قديمة أم جديدة؟ وهل هي مجموع قوانين المالية أم التنفيذ الفعلي؟ وهل تشمل التمويلات الخارجية؟ وهل تشمل السنوات السبع كاملة؟
في الاقتصاد، الرقم بلا وحدة وبلا منهجية حساب قد يكون أكثر تضليلاً من غياب الرقم.
ثامناً: دولة المؤسسات لا تُبنى بإلغاء السياسة ولا بإلغاء المعارضة
الواقع أن موريتانيا ما تزال أمام مهمة تاريخية: الانتقال من دولة تتعايش فيها المؤسسات الحديثة مع بقايا البنى التقليدية إلى دولة تصبح فيها المؤسسة أقوى من الواسطة، والقانون أقوى من القرابة، والمواطنة أقوى من الانتماء الضيق.
وهذا لا يتحقق بترديد أن كل شيء على ما يرام.
لكنه لا يتحقق أيضاً بإقناع الناس بأن كل شيء فاسد، وأن كل زيارة استعراض، وكل خطاب تضليل، وكل سياسة فشل، وكل إصلاح مجرد دعاية.
بين التطبيل والتهويل توجد منطقة ثالثة اسمها النقد الوطني المسؤول.
وهي المنطقة التي ينبغي أن تسكنها المعارضة قبل الموالاة، والمثقف قبل السياسي، والكاتب قبل المسؤول.
وأما «المشيخية» التي يتحدث عنها المقال…
فإن كان المقصود بها استمرار نفوذ العلاقات الاجتماعية التقليدية في الحياة العامة، فهذه قضية حقيقية تستحق النقاش، لكنها أقدم من العهد الحالي، وأوسع من أن تُختزل في شخص الرئيس.
وإن كان المقصود أن الدولة فقدت مؤسساتها وتحولت إلى سلطة أعيان بلا قانون ولا ميزانية ولا برلمان ولا أجهزة رقابية، فهذه دعوى أخرى تحتاج إلى براهين لا إلى استعارة سياسية.
أما أن نجمع في سلة واحدة: قانون الرموز، والزيارات، والقبيلة، والتقاعد، والحوار، والميزانية، ورئاسة البرلمان، والماضي العسكري، ثم نخرج منها بحكم واحد هو «نظام مشيخي»، فذلك قد يكون قوياً في المقالة الأدبية، لكنه أضعف في التحليل السياسي.
كلمة أخيرة
المعارضة ليست مطالبة بأن تصفق، كما أن الموالاة ليست مطالبة بأن تصمت عن مواطن الخلل.
لكن المعارضة الجادة لا تحتاج إلى تضخيم كل عيب كي تثبت وجود العيب، ولا تحتاج إلى تحويل كل إنجاز إلى دعاية حكومية كي تبني موقفها.
والسلطة الجادة بدورها لا ينبغي أن تنزعج من السؤال، بل ينبغي أن تخشاه فقط عندما تعجز عن الإجابة عنه.
أما موريتانيا، فهي أكبر من رئيس ومعارض، وأقدم من نظام، وأبقى من حكومة.
لقد ورثنا دولة تحتاج إلى الإصلاح، ونريد أن نسلمها لأبنائنا أكثر عدلاً ومؤسسية ومواطنة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من يملك الحق في أن يقول «إلى أين تسير موريتانيا»؟
السؤال الأهم هو:
ماذا سنفعل جميعاً، سلطةً ومعارضةً ونخبةً ومجتمعاً، حتى لا يكون السؤال عن وجهة الوطن مجرد خطبة، ولا تكون الإجابة مجرد معارضة للخطبة؟
فموريتانيا لا تحتاج إلى رئيس «قوّال» كما لا تحتاج إلى معارض «قوّال».
إنها تحتاج إلى دولة تفعل، ومؤسسات تحاسب، ومعارضة تقترح، وموالاة تراجع، ومواطن لا يُطلب منه أن يصفق لأحد، وإنما أن يحكم على الجميع بميزان واحد: ميزان القانون والنتائج والمصلحة الوطنية.