*حين ينتقل التعليم العالي من العاصمة إلى الوطن من بناء المؤسسات إلى صناعة الإنسان: ماذا تغيّر في التعليم العالي والبحث العلمي منذ 2019؟ / محمد عبد الله ولد بين .

حين تحدث رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال لقائه بأطر ووجهاء مدينة شنقيط، عن المؤسسات الجديدة التي يجري التحضير لإنشائها في الداخل، لم يكن يتحدث عن مبانٍ جامعية إضافية فحسب، بل كان يعلن، بصورة أكثر عمقاً، عن تحول تدريجي في خريطة التعليم العالي الموريتاني.

مدرسة عليا للزراعة في كيهيدي، ومدرسة عليا للبيطرة وتثمين الثروة الحيوانية في النعمة، ومعهد عالٍ للتربية في تجكجة، ومعهد عالٍ لإدارة المؤسسات في كيفه.

أربع مؤسسات في أربع ولايات، وفي أربعة مجالات ترتبط بصورة مباشرة بخصوصيات الاقتصاد والمجتمع: الزراعة، والثروة الحيوانية، والتربية، وإدارة المؤسسات.

وهنا تكمن دلالة المشروع.

فالتعليم العالي لا يعود مجرد امتياز جغرافي متركز في العاصمة، وإنما يتحول شيئاً فشيئاً إلى أداة من أدوات إعادة توزيع فرص المعرفة والتنمية بين جهات البلاد.

عشر مؤسسات جديدة… وما وراء الرقم

منذ 2019، شهد قطاع التعليم العالي والبحث العلمي توسعاً لافتاً. وبحسب المعطيات الرسمية التي عرضها رئيس الجمهورية، اكتمل إنجاز عشر مؤسسات جديدة للتعليم العالي، من بينها جامعة نواذيبو، والمعهد العالي للإحصاء، والمعهد العالي للطاقة، والمعهد العالي للرقمنة، ومدرسة المعادن والنفط والغاز، ومدرسة نواكشوط للأعمال، ومدرسة الهندسة المعمارية، إضافة إلى كليتي الصيدلة وطب الأسنان والمحظرة الشنقيطية الكبرى.

والأهم من مجرد تعداد هذه المؤسسات هو طبيعة التخصصات التي اختيرت لها.

فموريتانيا التي تسعى إلى تنويع اقتصادها لا تستطيع أن تبني اقتصاداً جديداً بعقول تُكوَّن وفق حاجات اقتصاد الأمس.

ولهذا فإن إنشاء مؤسسات متخصصة في الرقمنة والطاقة والمعادن والنفط والغاز والإحصاء وإدارة الأعمال والهندسة والطب، يعني أن النقاش حول التعليم العالي بدأ ينتقل من سؤال «كم نُكوّن؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا نُكوّن؟ ولأي اقتصاد؟»

وهذا انتقال نوعي في فلسفة التعليم.

جامعة نواذيبو… عندما تصبح الجغرافيا جزءاً من سياسة التعليم

كان من أبرز التحولات افتتاح جامعة نواذيبو وبدء الدراسة فيها.

كما شهدت جامعة نواكشوط العصرية توسعة رفعت طاقتها الاستيعابية بما يزيد على 11 ألف طالب جديد، بحسب ما أعلنه رئيس الجمهورية.

وفي قطاع ظل لعقود يعاني من محدودية العرض مقارنة بالطلب المتزايد على التعليم الجامعي، فإن زيادة الطاقة الاستيعابية ليست تفصيلاً تقنياً.

إنها جزء من معركة أوسع ضد الاكتظاظ، وضد محدودية الخيارات أمام خريجي التعليم الثانوي، وضد اضطرار أعداد كبيرة من الشباب إلى البحث عن فرص التكوين خارج البلاد.

والأرقام الرسمية تعطي مؤشراً مهماً على حجم التحول: فقد ارتفعت نسبة الولوج إلى التعليم العالي من 5.32% سنة 2019 إلى نحو 10% سنة 2026، مع هدف معلن بالوصول إلى 14% سنة 2029.

قد لا تكون هذه النسبة كافية بعد، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها نهاية الطريق؛ لكنها تكشف اتجاهاً واضحاً نحو توسيع قاعدة المستفيدين من التعليم العالي.

من المركز إلى الأطراف

ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في المشروع كله.

فإنشاء مدرسة عليا للزراعة في كيهيدي لا يعني فقط تكوين مهندسين زراعيين.

إنه يعني أن المنطقة التي تشكل الزراعة جزءاً أساسياً من إمكاناتها الاقتصادية ستحتضن مؤسسة علمية مرتبطة بأحد مواردها الطبيعية.

وإنشاء مدرسة عليا للبيطرة وتثمين الثروة الحيوانية في النعمة يضع التكوين العلمي بالقرب من أحد أهم خزانات الثروة الحيوانية في البلاد.

أما معهد تكوين المعلمين والأساتذة في تجكجة، فإنه يربط التكوين التربوي بحاجة وطنية مستمرة إلى المدرسين المؤهلين.

وفي كيفه، فإن مدرسة الأعمال تضع التكوين الإداري والاقتصادي في قلب منطقة تحتاج إلى تطوير النشاط الخاص والخدمات وإدارة المشاريع.

هكذا تصبح الجامعة أو المدرسة العليا جزءاً من التنمية المحلية، لا مجرد جزيرة تعليمية منفصلة عن محيطها.

وهذا هو المعنى الحقيقي للامركزية الجامعية.

لكن التحول لا يقاس بالمباني وحدها

الإنصاف يقتضي القول إن بناء المؤسسات هو البداية وليس النهاية.

فالجامعة الناجحة لا تُقاس بعدد مبانيها، وإنما بجودة تكوينها، وكفاءة أساتذتها، ومختبراتها، ومناهجها، وبقدرتها على إنتاج المعرفة وحل مشكلات المجتمع.

ومن هذه الزاوية، تبدو التطورات التي شهدها البحث العلمي ذات أهمية خاصة.

فقد ارتفع عدد مدارس الدكتوراه في موريتانيا من ثلاث إلى تسع مدارس، وبلغ عدد طلبة الدكتوراه 598 طالباً، من بينهم 81 طالباً أجنبياً، وفق المعطيات التي عرضها وزير التعليم العالي والبحث العلمي.

وهنا نقترب من جوهر المسألة.

الدولة التي تبني مدارس للدكتوراه لا تكتفي بتكوين مستهلك للمعرفة؛ إنها تبدأ في بناء منتج للمعرفة.

وهذا فرق كبير.

البحث العلمي… الحلقة التي ستحدد قيمة التحول

من بين الإصلاحات التي شهدها القطاع كذلك اعتماد استراتيجية وطنية للبحث العلمي والابتكار، وإنشاء الوكالة الوطنية للبحث العلمي والابتكار، وإطلاق صندوق خاص لتمويل البحث العلمي، إلى جانب إنشاء هيئة موريتانية لضمان جودة التعليم العالي وإعادة تنظيم منظومة التعليم العالي.

وإذا كان توسيع البنية الجامعية ضرورياً، فإن التحدي الأكبر في السنوات القادمة سيكون تحويل هذه البنية إلى منظومة إنتاج علمي.

موريتانيا تحتاج إلى أبحاث في الزراعة والمياه والمناخ والثروة الحيوانية والطاقة والمعادن والرقمنة والصحة والتربية والاقتصاد.

تحتاج إلى أن تتحول الجامعة من فضاء لمنح الشهادات إلى شريك في صناعة القرار العام.

وتحتاج، قبل ذلك كله، إلى أن يشعر الطالب الموريتاني بأن مستقبله العلمي لا يتوقف بالضرورة عند مطار نواكشوط.

العدالة الاجتماعية تدخل من باب الجامعة

التوسع في التعليم العالي لم يقتصر على المؤسسات والتخصصات.

فقد شهد نظام المنح إصلاحات وسعّت قاعدة المستفيدين، وارتفع عدد الممنوحين من نحو 9000 طالب سنة 2024 إلى 20 ألفاً سنة 2026، وفق المعطيات الرسمية المقدمة أمام الجمعية الوطنية. كما شملت الإصلاحات طلاباً من المسجلين في السجل الاجتماعي وطلاب ولايات الداخل والمتفوقين في البكالوريا.

كما تم تعميم التأمين الصحي على طلاب التعليم العالي، وتوسيع بعض الخدمات الاجتماعية الجامعية. وتشير المعطيات الرسمية إلى ارتفاع عدد المنح من 5886 سنة 2019 إلى 15804 سنة 2025، مع تطورات أخرى في النقل والإطعام والسكن الجامعي.

هذه الإجراءات لا تلغي التحديات، لكنها تؤكد أن مفهوم إصلاح التعليم العالي بدأ يتجاوز المؤسسة التعليمية إلى الطالب نفسه وظروف استمراره ونجاحه.

من «جامعة العاصمة» إلى «جامعة الوطن»

ربما تكون الصورة الأوسع التي تستحق التوقف عندها هي أن موريتانيا بدأت تتحرك، ولو بصورة تدريجية، من نموذج كانت فيه مؤسسات التعليم العالي متركزة أساساً في العاصمة، إلى نموذج متعدد المراكز.

نواذيبو في الشمال.

كيهيدي في الجنوب.

النعمة في الشرق.

تجكجة في الوسط.

كيفة في الجنوب الشرقي.

ولكل مدينة وظيفة تعليمية مرتبطة بدرجة أو بأخرى بخصوصيتها وباحتياجات محيطها.

وهذا لا يعني أن اللامركزية قد اكتملت؛ بل إن الطريق ما يزال طويلاً. لكنه يعني أن فكرة توزيع المعرفة خارج نواكشوط لم تعد مجرد شعار في وثيقة سياسية، وإنما بدأت تتحول إلى مؤسسات ومشاريع وميزانيات ومناهج وتخصصات.

الإنجاز الحقيقي يبدأ بعد افتتاح الأبواب

ومع ذلك، فإن الاحتفال بهذه التحولات ينبغي ألا يحجب السؤال الأهم:

ماذا نريد من هذه المؤسسات بعد خمس أو عشر سنوات؟

نريد خريجاً يستطيع المنافسة خارج موريتانيا وداخلها.

نريد أستاذاً جامعياً يشتغل على البحث لا على التدريس وحده.

نريد مختبراً ينتج معرفة قابلة للتطبيق.

نريد مدرسة للزراعة تستطيع أن تقدم حلولاً لمشكلتي المياه والإنتاج.

ونريد مدرسة للبيطرة لا تكتفي بتخريج البيطري، بل تسهم في تثمين الثروة الحيوانية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية.

ونريد مدرسة أعمال تنتج مسيراً قادراً على خلق المشروع، لا مجرد باحث عن وظيفة.

ونريد معهداً للتربية يجعل من تحسين المدرسة العمومية مشروعاً علمياً مستداماً.

ذلك هو الاختبار الحقيقي.

موريتانيا أمام فرصة تعليمية جديدة

إن ما تحقق منذ 2019 في التعليم العالي والبحث العلمي لا ينبغي أن يُختزل في لغة المديح السياسي، كما لا ينبغي أن يُختزل في لغة التشكيك السياسي.

الأدق أن نقرأه بوصفه مساراً مؤسسياً قابلاً للقياس: مؤسسات جديدة، تخصصات جديدة، توسعة في الطاقة الاستيعابية، انتشار جغرافي أوسع، زيادة في عدد المستفيدين من المنح، توسع في مدارس الدكتوراه، إصلاحات في الحوكمة وضمان الجودة، وبداية لبناء منظومة وطنية للبحث والابتكار.

ويبقى الحكم التاريخي على هذه الورشة مرتبطاً بما ستنتجه بعد اكتمالها.

فالأوطان لا تتقدم بعدد الجامعات التي تبنيها فقط، وإنما بعدد العقول التي تجعلها الجامعات أكثر قدرة على التفكير والإبداع وخدمة المجتمع.

ولعل القيمة الأعمق لما يجري اليوم أن موريتانيا بدأت تكتشف أن الاستثمار في التعليم العالي ليس نفقة على الحاضر، بل استثمار في سيادة المستقبل.

ومن هنا، فإن مدرسة الزراعة في كيهيدي، ومدرسة البيطرة في النعمة، ومعهد التربية في تجكجة، ومدرسة الأعمال في كيفه، ليست مجرد مشاريع عمرانية تنتظر اكتمال الأشغال.

إنها، إذا أحسن تشغيلها وربطها بحاجات البلاد، أربع نوافذ جديدة تفتحها الدولة على مستقبل مختلف.

وإذا أحسنّا النظر إلى الصورة كاملة، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا أنجزت موريتانيا في التعليم العالي منذ 2019؟

بل أصبح السؤال الأكثر دلالة:

أي موريتانيا يمكن أن يصنعها هذا الجيل الجديد من الجامعات والعلماء والباحثين والمهنيين؟

وهنا تحديداً يبدأ الرهان الحقيقي.

زر الذهاب إلى الأعلى