*ردا على حمادي سيدي محمد آباتي* محمد عبد الله ولد بين يكتب: *أي وطن نريد* نعم للسؤال الكبير… ولكن لا لعدمية الجواب

الأخ العزيز حمادي سيدي محمد آباتي،
قرأت نصك باهتمام، وأحسب أن بيننا اتفاقًا على أصل مهم: أن سؤال فخامة رئيس الجمهورية من أطار: «أي وطن نريد؟» ليس سؤالًا عابرًا، ولا ينبغي اختزاله في مناسبة سياسية أو في عبارة إنشائية.
لكنني أظن أن قيمة السؤال الكبير تقتضي منا أيضًا أن ننتبه إلى نبرة الجواب وطبيعة النقد الذي نقدمه.
فثمة فرق دقيق، لكنه جوهري، بين النقد المعارض الرامي إلى الإصلاح، وبين الخطاب العدمي الذي لا يرى في المشهد إلا مواطن الخلل، وكأن الدولة لم تعرف إنجازًا، والمجتمع لم يعرف تحولًا، والسياسات العامة لا تنتج إلا الفشل.
وأنت، بحكم تجربتك وعمق اهتمامك بالشأن العام، تدرك هذا الفرق أكثر من غيرك.
السؤال مشروع… لكن لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة شاملة
من حقنا أن نسأل: أي دولة نريد؟ وكيف نريد مؤسساتها؟ وكيف نواجه الفساد والمحسوبية؟ وكيف نحقق العدالة الاجتماعية؟ وكيف نجعل الاقتصاد أكثر إنتاجًا؟ وكيف نطور المدرسة والإدارة والقضاء؟
بل إن طرح هذه الأسئلة واجب على النخب، لا ترفًا فكريًا.
لكن الإنصاف يقتضي أن نضع الأسئلة في سياقها الزمني والسياسي، وأن نفرق بين ما هو اختلال متجذر في بنية الدولة والمجتمع، وما هو تقصير في سياسة بعينها، وما هو إرث تاريخي لا يمكن تحميله لحكومة أو رئيس بعينه.
كما ينبغي أن نفرق بين الاعتراف بالنقائص، وبين تصوير الواقع كله باعتباره دائرة مغلقة من الفشل.
فالدولة التي نريد إصلاحها ليست دولة وهمية؛ إنها دولة قائمة بمؤسساتها وتجاربها وتراكماتها، وفيها ما يستحق النقد، كما فيها ما يستحق التثمين والبناء عليه.
لا خلاف على دولة القانون
أتفق معك في أن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على العلاقات الشخصية أو المحسوبية، وأن القانون يجب أن يكون فوق الأشخاص والمصالح.
لكن السؤال الإصلاحي لا يتوقف عند إعلان هذه المبادئ، بل ينتقل إلى سؤال أكثر دقة:
ما الذي تحقق في هذا المجال؟ وما الذي بقي ناقصًا؟ وما الإصلاحات التي يمكن أن تنقلنا خطوة أخرى إلى الأمام؟
هنا يصبح النقد منتجًا.
أما حين تتحول كل ممارسة إدارية إلى دليل على غياب الدولة، وكل تعيين إلى محاباة، وكل إخفاق إلى فساد، فإننا لا نعود أمام نقد مؤسساتي، وإنما أمام تعميم قد يظلم الحقيقة بقدر ما يكشف بعض جوانبها.
مكافحة الفساد ليست شعارًا… لكنها أيضًا ليست إنكارًا لكل ما تحقق
لا أحد يختلف معك في أن مكافحة الفساد ينبغي ألا تقتصر على معالجة بعض الملفات، بل يجب أن تتجه إلى الوقاية، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتطوير الإدارة.
لكن مكافحة الفساد نفسها تحتاج إلى دولة قائمة، وأجهزة رقابة، وقضاء، وإدارة، وإرادة سياسية، وتراكم تشريعي ومؤسسي.
لذلك فإن السؤال الأكثر فائدة ليس: هل الدولة فاسدة أم غير فاسدة؟
بل:
أين نجحت منظومة النزاهة والرقابة؟ وأين أخفقت؟ وما الذي ينبغي إصلاحه حتى تصبح أكثر فاعلية؟
هذا هو النقد الذي يساعد صاحب القرار والمواطن معًا.
وحتى الجيش يحتاج إلى نقاش هادئ لا إلى إسقاطات
أوافقك على أن المؤسسة العسكرية مؤسسة جمهورية وطنية، وأن الحديث عن تاريخها ينبغي أن يستند إلى الوثائق والشهادات الموثوقة، لا إلى الروايات المتداولة وتصفية الحسابات.
لكن هذا المبدأ نفسه ينبغي أن يحكم خطابنا كله: لا نحاكم المؤسسات بالروايات، ولا نحاكم الأشخاص بالانطباعات، ولا نحاكم المرحلة السياسية بالتعميمات.
إن بناء الجمهورية يحتاج إلى مؤسسات قوية، والمؤسسات القوية تحتاج إلى نقد مسؤول، لا إلى تقديس ولا إلى هدم.
الاقتصاد والتعليم: هنا يكون الاختلاف في البرامج لا في النوايا
لا أحد يختلف على أن موريتانيا تحتاج إلى اقتصاد أكثر إنتاجًا، وتعليم أكثر فاعلية، وزراعة حديثة، وثروة حيوانية أكثر إنتاجية، وصناعة تحويلية، وتكوين مهني مرتبط بسوق العمل.
لكن هذه ليست اكتشافات جديدة، وإنما هي أجندة وطنية متراكمة ينبغي أن نسأل عن مستوى تنفيذها، وعن نتائجها، وعن العراقيل التي تواجهها، وعن إمكان تطويرها.
وبذلك ننتقل من لغة: «كل شيء خطأ» إلى لغة أكثر نفعًا:
هذا ما تحقق، وهذه ثغراته، وهذه كلفة بقائه، وهذه البدائل الممكنة.
ذلك هو النقد الذي تحتاجه الدولة.
النخبة ليست مطالبة بالتصفيق… لكنها ليست مطالبة أيضًا بالهدم
أتفق معك تمامًا في أن النخبة لا ينبغي أن تكون مجرد صدى للسلطة.
لكن النخبة لا تكون مستقلة فقط عندما تنتقد؛ بل تكون مستقلة أيضًا عندما تنصف.
فكما أن التصفيق الدائم يفسد العلاقة بين المثقف والسلطة، فإن النقد الدائم الذي لا يرى إلا السواد قد يفسدها أيضًا.
المثقف الوطني ليس محاميًا للسلطة، لكنه ليس خصمًا دائمًا لها.
إنه شاهد على الواقع؛ يثني عندما يرى ما يستحق الثناء، وينبه عندما يرى الخلل، ويقترح البديل عندما يعترض.
وهنا تحديدًا أرى أن الفرق بيننا ليس في ضرورة النقد، وإنما في منسوب النبرة التي ينبغي أن نحمل بها هذا النقد.
سؤال فخامة الرئيس أكبر من أن يكون عنوانًا للمعارضة
أعتقد أن سؤال فخامة الرئيس في أطار ينبغي أن يُقرأ باعتباره دعوة إلى التفكير في المشروع الوطني نفسه، لا باعتباره مجرد مادة جديدة لتسجيل النقاط على السلطة.
وإذا كان الحوار الوطني المرتقب فرصة لإعادة النظر في بعض قواعد ممارسة الدولة والسياسة والمجتمع، فإن المطلوب ألا ندخل إليه بعقلية المنتصر والمهزوم، ولا بعقلية المدافع عن السلطة أو المحاكم لها، وإنما بعقلية المواطن الذي يريد أن يعرف:
ماذا نريد أن تكون عليه موريتانيا بعد عشرين أو ثلاثين سنة؟
كيف نريد علاقتنا بالدولة؟
كيف نريد توزيع الفرص؟
كيف نضمن تكافؤ المواطنين؟
كيف نصلح الإدارة؟
كيف نرفع إنتاجية الاقتصاد؟
كيف نطور المدرسة؟
كيف نعزز استقلال المؤسسات؟
وكيف نحافظ في الوقت نفسه على وحدة البلاد وهويتها وسلمها الأهلي؟
هذه، في تقديري، هي الأسئلة التي تستحق أن تحملها النخبة إلى الحوار.
كلمة أخيرة للأخ حمادي
أخي حمادي،
لا أعتقد أن الاختلاف معك في بعض تفاصيل القراءة ينبغي أن يحجب اتفاقنا على الغاية.
نحن نريد وطنًا أقوى، وعدالة أوسع، ومؤسسات أكثر مهنية، واقتصادًا أكثر إنتاجًا، وتعليمًا أفضل، ومواطنًا أكثر كرامة.
لكن الوطن لا يُبنى بالنشوة الخطابية، ولا بالتصفيق، ولا بالعدمية.
يبنى بالنقد حين يكون النقد ضروريًا، وبالاعتراف حين يكون الاعتراف مستحقًا، وبالاقتراح حين يكون الاقتراح ممكنًا، وبالإنصاف في كل الأحوال.
ولذلك فإنني أعود إلى السؤال الذي طرحه فخامة الرئيس من أطار، ولكن بصيغة أخرى:
إذا كنا متفقين على أي وطن نريد، فلنختلف بهدوء وحكمة حول الطريق الذي يوصلنا إليه.
فالمعارضة الحقيقية ليست أن تقول إن كل شيء سيئ، كما أن الموالاة الرشيدة ليست أن تقول إن كل شيء جيد.
المعارضة التي تخدم الوطن هي التي تكشف الخلل وتقترح الإصلاح، والموالاة التي تخدم الوطن هي التي تثمن الإنجاز وتنبه إلى النقص.
وبين الاثنين تتشكل السياسة الوطنية الرشيدة.
وهذا، في تقديري، هو الفرق بين نقد يريد إصلاح الدولة، وخطاب لا يرى في الدولة إلا ما يريد هدمه.