عندما تصبح العطلة عودةً إلى الذات *ستة وأربعون يوماً في الريف… بعيداً عن الهاتف*والإنترنت والكهرباء/بقلم :محمد عبد الله ولد بين

لم تكن عطلتي هذا العام رحلة إلى منتجع، ولا إقامة في فندق، ولا بحثاً عن مدينة أكثر اعتدالاً في الطقس، ولا حتى محاولة للهروب من متاعب الحياة إلى مكان تتوفر فيه كل أسباب الراحة.
كانت شيئاً آخر تماماً.
كانت عودة إلى المكان، وإلى الذات، وإلى زمن كان الإنسان فيه يملك وقته قبل أن تملكه الشاشات.
ستة وأربعون يوماً قضيتها في حاضر، ذلك المكان الواقع في تخوم التقاء ولايات لبراكنه وتكانت ولعصابه، والتابع إدارياً لمركز جونابه الإداري.
مكان قد لا يغري كثيراً من الباحثين عن العطلة التقليدية: شح في الأمطار، حرارة مرتفعة، وانقطاع للكهرباء قبل العطلة وخلالها.
ومع ذلك، كانت هذه العطلة، في حصيلتها النهائية، من أجود العطل التي عشتها، وأكثرها راحة للجسم، وطمأنينة للنفس، وصفاء للذهن.
وهنا بدأت أتساءل:
هل كنا نبحث عن الراحة في المكان الخطأ؟
العطلة من العمل… أم العطلة من الحياة الحديثة؟
مع مطلع شهر أغسطس اتخذت قراراً ربما يبدو اليوم غريباً، بل صعب التصديق:
الهاتف: خارج الخدمة.
الإنترنت: خارج الخدمة.
التلفزيون: خارج الخدمة.
الإذاعة: خارج الخدمة.
ولم يكن الأمر مجرد نية حسنة أو قراراً قابلاً للتراجع عند أول ملل؛ لقد طُبّق القرار مائة بالمائة.
في الأيام الأولى اكتشفت شيئاً لم أكن أفكر فيه كثيراً من قبل:
نحن لا نستعمل الهاتف فقط؛ نحن نعيش معه.
اليد تبحث عنه تلقائياً، والعين تنتظر إشعاره، والعقل يتوقع خبراً أو رسالة أو اتصالاً. حتى عندما لا يكون هناك ما يستدعي استعماله، يصبح مجرد وجوده جزءاً من إيقاع الحياة.
ولذلك كانت الصعوبة الأولى في العطلة هي التعوّد على غياب الهاتف.
لكن الإنسان كائن قابل للتكيف.
ومع مرور الأيام بدأ ما حسبته فراغاً يتحول إلى مساحة، وما ظننته حرماناً يتحول إلى حرية.
اكتشفت أن اليوم الذي لا يتدخل فيه الهاتف في كل دقيقة، يوم طويل.
وأن الساعة التي لا تقطعها الإشعارات يمكن أن تكون أوسع من ساعة كاملة.
وأن الصمت ليس فراغاً، وإنما قد يكون امتلاءً من نوع آخر.
حين يستعيد الإنسان ملكية الزمن
لقد أحدثت التكنولوجيا ثورة هائلة في حياة البشر، ولا يمكن إنكار ما قدمته من فوائد.
لكن المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في الاستسلام الكامل لإيقاعها.
فالهاتف الحديث جمع في جهاز واحد: الصحيفة، والإذاعة، والتلفزيون، والبريد، والمراسلة، والمكتبة، والصورة، والسوق، ومجلس الأصدقاء.
لكنه أخذ في المقابل شيئاً بالغ القيمة:
الانتباه.
فالإنسان الذي يتلقى عشرات الرسائل والأخبار والتنبيهات يومياً، يعيش جزءاً من يومه في حالة استعداد دائم للاستجابة.
أما حين يغيب الهاتف، فإن شيئاً عميقاً يحدث:
يستعيد الإنسان ملكية وقته.
لا خبر عاجل يفرض نفسه عليك، ولا رسالة تستدعي جواباً فورياً، ولا نقاش إلكتروني ينتظر موقفك، ولا منشور يجر منشوراً آخر.
يصبح الصباح صباحاً، والمساء مساءً، والليل ليلاً.
ويعود للزمن إيقاعه الطبيعي.
المفارقة: قسوة الطبيعة صنعت عطلة جميلة
قد يبدو الأمر مفارقة أن أصف العطلة بأنها ممتازة، بينما عشتها في ظروف مناخية صعبة.
لكن هذه المفارقة هي أحد أهم دروس التجربة.
لقد اعتدنا أن نقيس جودة العطلة بما يتوفر فيها من وسائل الراحة:
الكهرباء، والمكيف، والإنترنت، والشاشة، والمطعم، والسيارة، والفندق، وكثرة البرامج.
لكن التجربة الريفية قدمت لي معادلة مختلفة:
قد تقل وسائل الراحة المادية، فتزداد الراحة النفسية.
لم تكن الحرارة لطيفة، ولم يكن انقطاع الكهرباء مريحاً، ولم تكن السماء سخية بالمطر.
لكن الإنسان حين يتخلص من فائض المثيرات الخارجية، يبدأ في رؤية أشياء كانت حوله دائماً ولم يكن ينتبه إليها.
السماء.
النجوم.
هدوء الليل.
حركة الناس.
المجالس.
الزيارات.
المسجد.
الأحاديث التي لا تحتاج إلى لوحة مفاتيح.
والأهم من كل ذلك: الوقت.
المسجد… حين يصبح الزمن صلاة
كان للمسجد في هذه التجربة حضور خاص.
فالمدوامة على المسجد لم تكن مجرد أداء للصلوات، وإنما كانت أيضاً إعادة اكتشاف لمعنى الزمن.
الصلاة تقسم اليوم إلى محطات روحية منتظمة، وتمنح الإنسان فرصة للخروج من إيقاع الاستهلاك والانشغال إلى إيقاع أكثر هدوءاً وانتظاماً.
ثم إن المسجد في المجتمع الريفي ليس جدراناً وسقفاً فحسب.
إنه مكان للعبادة، واللقاء، والسلام، والتعارف، والسؤال عن الغائب، والاطمئنان على القريب.
وهكذا اكتشفت أن غياب الهاتف لم يعزلني عن الناس.
بل ربما جعلني أقرب إليهم.
فثمة فرق كبير بين أن تعرف أن فلاناً نشر صورة على هاتفه، وأن تجلس معه وتسأله عن حاله.
وبين أن تضع علامة إعجاب على تعزية، وأن تقف إلى جانب صاحب المصاب.
وبين أن تتبادل عشرات الرسائل، وأن تتشارك مع الناس مجلساً حقيقياً.
التكنولوجيا وسعت دائرة الاتصال، لكنها لم تلغ الحاجة إلى اللقاء الإنساني المباشر.
الريف ليس مكاناً لقضاء العطلة فقط
ثمة درس آخر أعمق من مسألة الهاتف.
إن قضاء العطلة في الربوع والمواطن لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد خيار ترفيهي.
إنه أيضاً شكل من أشكال إعادة اكتشاف الوطن.
فموريتانيا التي نراها من العاصمة ليست كل موريتانيا.
هناك موريتانيا أخرى في الداخل:
في القرى، والواحات، والمزارع، والمراعي، والبوادي، ومراكزنا الإدارية، وبين الناس الذين يواجهون الطبيعة كل يوم، ويتعاملون مع شح المياه وارتفاع الحرارة وانقطاع الكهرباء وغيرها من تحديات الحياة.
حين يعيش المواطن فترة من الزمن بين هؤلاء، فإنه لا يقرأ الوطن في التقارير والإحصاءات فقط؛ بل يراه ويشعر به ويعايشه.
وهذه المعايشة ضرورية خصوصاً لمن يريد أن يفهم المجتمع والدولة والتنمية.
فالتنمية ليست أرقاماً فقط.
إنها إنسان.
والريف ليس هامشاً جغرافياً.
إنه جزء أصيل من الوطن، ومن ذاكرته، ومن مستقبله.
ماذا لو أصبحت العطلة مشروعاً لاستعادة التوازن؟
ربما لا يستطيع الجميع أن يقطعوا الاتصال ستة وأربعين يوماً.
ولا أعتقد أن المقصود من التجربة هو الدعوة إلى هجر التكنولوجيا أو العودة إلى حياة ما قبل الهاتف.
المقصود أبسط وأعمق:
أن نضع نحن حدوداً للتكنولوجيا، قبل أن تضع هي حدوداً لحياتنا.
يمكن لكل إنسان أن يختار ما يناسبه:
يوم في الأسبوع بلا هاتف.
ساعات يومية بلا شاشة.
عطلة قصيرة بلا شبكات اجتماعية.
قراءة كتاب بدلاً من تصفح الهاتف.
جلسة عائلية بلا أجهزة.
زيارة للأقارب بدلاً من الاكتفاء برسالة.
صلاة في المسجد بدلاً من متابعة العالم من خلف الشاشة.
ورحلة إلى قرية أو ربوع الوطن بدلاً من البحث دائماً عن وجهة خارجية.
هذه ليست دعوة إلى رفض الحداثة.
بل هي دعوة إلى امتلاكها دون أن تمتلكنا.
العطلة الناجحة ليست التي نعود منها بالصور
بعد ستة وأربعين يوماً، لم أعد أفكر في العطلة باعتبارها عدد أيام خارج العمل.
العطلة الناجحة في تقديري هي التي يعود الإنسان منها بشيء لم يكن يملكه قبلها:
جسد أكثر راحة،
نفس أكثر هدوءاً،
ذهن أكثر صفاءً،
علاقات أكثر دفئاً،
وصلة أقوى بالمكان والوطن.
أما الصور الكثيرة، والمنشورات الكثيرة، والرسائل الكثيرة، فقد لا تكون دليلاً على أننا استمتعنا بالعطلة.
أحياناً يكون العكس هو الصحيح.
قد تكون أجمل عطلة هي تلك التي لم نصورها.
وأصدق الأيام هي التي لم ننشر تفاصيلها.
وأعمق اللحظات هي التي عشناها كاملة، دون أن نفكر في كيفية عرضها على الآخرين.
الدرس الأخير
لقد دخلت إلى هذه العطلة وفي ذهني تصور بسيط: أريد أن أرتاح.
لكنني خرجت منها بفكرة أكبر:
الإنسان يحتاج أحياناً إلى أن يعطل العالم من حوله حتى يعيد تشغيل نفسه.
ستة وأربعون يوماً في مكان متواضع، في ظروف طبيعية صعبة، بلا هاتف، ولا إنترنت، ولا تلفزيون، ولا إذاعة، وكهرباء غائبة؛ ومع ذلك كانت الراحة الجسمية والنفسية والصحية في غاية الجودة.
ولعل الخلاصة ليست أن الكهرباء سيئة، ولا أن الهاتف سيئ، ولا أن المدينة سيئة.
الخلاصة أن الإفراط في كل شيء قد يحرمنا من متعة الشيء نفسه.
وقد نكون في حاجة، بين حين وآخر، إلى أن نبتعد قليلاً عن العالم الافتراضي، لنقترب أكثر من العالم الحقيقي.
أن نغادر الشاشة إلى السماء.
والإشعار إلى الأذان.
والرسالة إلى الزيارة.
والضجيج إلى الصمت.
والمدينة إلى القرية.
والسرعة إلى التوءدة.
وربما، قبل كل ذلك، أن نغادر أنفسنا المرهقة إلى أنفسنا التي تركناها منذ زمن بعيد.
تلك كانت عطلتي هذا العام:
ستة وأربعون يوماً لم أغادر فيها الوطن، لكنني شعرت أنني عدت إليه.
ولم أبتعد عن الناس، وإنما ابتعدت قليلاً عن الضجيج الذي كان يحجبهم عني.
وربما كانت أجمل هدية قدمتها لي هذه العطلة أنها ذكّرتني بحقيقة بسيطة:
ليس كل ابتعادٍ هروباً، وليس كل اتصالٍ تواصلاً، وليس كل صمتٍ فراغاً؛ أحياناً يكون الابتعاد عودة، ويكون الصمت حضوراً، ويكون انقطاع الاتصال بدايةً لاتصال أعمق بالإنسان والمكان والذات.