*محمد عبد الله ولد بين يتسأءل ؟* *حين يموت الفعل العربي… من يحرس الكرامة؟*

لو وجه السؤال اليوم إلى الرئيس الأمريكي دونالد اترام فقيل له:
لو كان جمال عبد الناصر حاضراً في هذا الزمن، هل كانت القواعد العسكرية الأجنبية ستنتشر بهذا الاتساع في العالم العربي؟ وهل كان رئيس حكومة إسرائيل نتنياهو سيجد الساحة مفتوحة ليستبيح قطاع غزه وأهلها بهذا القدر من القسوة والاطمئنان؟
ليس المقصود بهذا السؤال تمجيد رجل من الماضي، ولا استدعاء الحنين السياسي، بل إثارة قضية أعمق بكثير: كيف تحوّلت الأمة العربية من فاعل في التاريخ إلى ساحة مفتوحة تتصارع فيها القوى الدولية والإقليمية؟
فما نشهده اليوم ليس مجرد اختلال في ميزان القوة، بل هو شيء أشد قسوة: انهيار في الإرادة السياسية الجماعية.
لقد كانت هناك مرحلة – رغم ما شابها من أخطاء – كان العرب يشعرون فيها أنهم أصحاب قضية ومشروع. كانت هناك فكرة اسمها الكرامة القومية، وكانت هناك قناعة بأن الاستقلال لا يكتمل إلا بامتلاك قرار السيادة.
في تلك المرحلة لم تكن المنطقة خالية من القواعد الأجنبية، ولم تكن إسرائيل ضعيفة، لكن المعادلة السياسية كانت مختلفة:
كان هناك إدراك بأن هذه الأمة – مهما اختلفت دولها – تشكل مجالاً حضارياً وسياسياً له حد أدنى من التضامن.
أما اليوم فقد تبدلت الصورة جذرياً.
لقد تفكك النظام العربي إلى حد غير مسبوق، وتحولت الأولويات من بناء القوة المشتركة إلى إدارة التوازنات الضيقة، ومن التفكير في المستقبل إلى الاكتفاء بردود الفعل.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح من الطبيعي أن تتقدم القوى الأكثر تنظيماً وحسماً لتملأ الفراغ.
فالدول – كما يعلم دارسو العلاقات الدولية – لا تتصرف بدافع الأخلاق وحدها، بل وفق منطق المصالح والقوة. ولهذا فإن الولايات المتحدة أو غيرها لن تعيد صياغة سياساتها لأن العرب غاضبون، بل فقط إذا تغيرت معادلة القوة أو الكلفة السياسية.
والمأساة أن ما يحدث في غزة اليوم يكشف هذه الحقيقة بأشد صورها قسوة. فالمسألة لم تعد مجرد صراع عسكري بين طرفين، بل صارت اختباراً تاريخياً لمكانة الأمة العربية في النظام الدولي.
هل ما زال هذه الأمة تمتلك القدرة على فرض حد أدنى من الردع السياسي والأخلاقي؟
أم أنه أصبح مجرد جغرافيا واسعة بلا إرادة استراتيجية؟
إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العرب على أنفسهم ليس: لماذا يفعل الآخرون ما يفعلون؟
بل: كيف وصلنا إلى اللحظة التي أصبح فيها الآخر مطمئناً إلى أنه يستطيع أن يفعل ذلك؟
إن التاريخ لا يعرف الفراغ. فإذا ضعفت أمة تراجعت مكانتها، وإذا غابت إرادتها تقدمت أمم أخرى لقيادة المجال الحضاري والسياسي.
ولهذا فإن القضية اليوم ليست قضية رجل مثل جمال عبد الناصر، ولا قضية نظام سياسي بعينه، بل قضية فكرة القوة والكرامة في الوعي العربي المعاصر.
فالأمم التي تفقد إرادة الدفاع عن نفسها لا تظل طويلاً في موقع الفاعل، بل تتحول تدريجياً إلى موضوع لسياسات الآخرين.
ومن هنا يفرض الواقع سؤالاً أكثر إيلاماً من كل الأسئلة السابقة:
هل ما نشهده اليوم هو مجرد مرحلة عابرة من الضعف، أم أنه علامة على أزمة أعمق في بنية الأمة العربية السياسية والفكرية؟
ثم يبرز سؤال آخر أكثر حساسية وأشد إثارة للجدل:
هل يمكن أن يكون التاريخ بصدد البحث عن قوة جديدة تحمل راية الفعل الحضاري في هذا المجال الإسلامي الواسع، بعد أن تراجع الدور العربي؟
أم أن اللحظة لم تبلغ بعد هذا الحد، وأن في الأمة العربية ما يكفي من طاقة للعودة إلى التاريخ من جديد؟
ذلك سؤال مفتوح يذكّرنا بما جاء في قوله تعالى:
﴿وإِن تتولوْا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾
وهو سؤال
ظل يثير تأملات العلماء والمؤرخين عبر القرون، خصوصا حين ربط بعضهم بينه وبين ما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أشار فيه إلى أن أقواما من غير العرب قد ينهضون بحمل رسالة هذا الدين إذا تقاعس عنها أهلها.
فهل نحن أمام مجرد لحظة ضعف عابرة في تاريخ العرب،
أم أن التاريخ يتهيأ بالفعل لكتابة فصل جديد تقوده شعوب أخرى في العالم الإسلامي؟
ذلك سؤال لن يجيب عنه الخطاب ولا العاطفة،
بل ستجيب عنه أفعال الأمم في ميدان التاريخ.