محمد عبدالله بين يكتب/حين يتحدث الرئيس عن المدرس…”هل بدأت معركة إنقاذ المدرسة؟ 

ليس من المبالغة القول إن التعليم في موريتانيا يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فبعد عقود من التردد والإصلاحات الجزئية، أصبحت المدرسة مرآة تعكس أعطاب المجتمع بقدر ما تعكس آماله. وفي هذا السياق يكتسب خطاب رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني أمام أفراد من الأسرة التربوية خلال إفطار رمضاني دلالة سياسية تتجاوز حدود المناسبة الاجتماعية.

فالخطاب لم يكن مجرد مجاملة رمضانية لقطاع مهني، بل كان اعترافاً ضمنياً بأن المدرسة الموريتانية تحتاج إلى إعادة تأسيس حقيقية، وأن هذه المعركة لا يمكن أن تبدأ إلا من نقطة واحدة: إعادة الاعتبار للمدرس.

الحقيقة التي يعرفها الجميع

لا أحد يستطيع إنكار حقيقة أصبحت شبه بديهية في النقاش العمومي:

*لا يمكن إصلاح المدرسة إذا بقي المدرس الحلقة الأضعف في* *المنظومة.*

فالمدرس هو حجر الزاوية في كل إصلاح تربوي، ومع ذلك ظل لعقود طويلة يعيش مفارقة قاسية: مسؤولية تربوية جسيمة يقابلها أحياناً ضعف في الاعتراف المادي والمعنوي.

من هنا تأتي أهمية ما قاله الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني حين أكد ضرورة إعادة الاعتبار للمدرس، وتعهد بأن تتحسن أوضاعه كلما سمحت الظروف بذلك.

صحيح أن العبارة حملت طابع الواقعية السياسية المرتبطة بإمكانات الدولة، لكنها في الوقت نفسه تمثل إقراراً صريحاً بأن إصلاح التعليم يبدأ من وضعية المدرس.

*بين الوعد السياسي واختبار الواقع*

 

غير أن السياسة لا تُقاس بالنوايا وحدها، بل بقدرتها على تحويل الخطاب إلى واقع.

فالمدرسة الموريتانية تعيش أزمة مركبة لا يمكن اختزالها في الرواتب أو الظروف المهنية، بل تمتد إلى عمق المنظومة التعليمية نفسها.

هذه الأزمة تتجلى في عدة مظاهر يعرفها الجميع:

تراجع جودة المخرجات التعليمية

ضعف التكوين التربوي

اهتزاز مكانة المدرسة العمومية

فجوة متزايدة بين المدرسة ومتطلبات العصر

وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

هل يكفي الاعتراف بأهمية المدرس لإنقاذ المدرسة؟

*المدرسة الجمهورية… المشروع الذي يختبر نفسه*

الجواب يرتبط إلى حد كبير بمصير مشروع المدرسة الجمهورية الذي يمثل أحد أبرز رهانات الإصلاح في البلاد.

فهذا المشروع يطمح إلى جعل المدرسة فضاءً وطنياً جامعاً، يعزز قيم المواطنة والمساواة ويعيد بناء الثقة في التعليم العمومي. غير أن نجاحه لن يتحدد في النصوص أو الشعارات، بل في قدرته على تحقيق تحول حقيقي داخل الفصول الدراسية.

والتحول الحقيقي يبدأ حين يشعر المدرس أنه جزء من مشروع وطني كبير، لا مجرد موظف في جهاز إداري.

*المعركة الحقيقية*

إن الدول التي نجحت في إصلاح التعليم لم تبدأ من المناهج فقط، بل بدأت من المعلم.

فالمعلم المطمئن مادياً والمقدر اجتماعياً هو وحده القادر على صناعة أجيال واثقة بنفسها وقادرة على مواجهة المستقبل.

ولهذا فإن دعوة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لإعادة الاعتبار للمدرس قد تكون أهم رسالة سياسية في هذا الخطاب، لأنها تعني أن الدولة بدأت تدرك أن معركة التعليم ليست تقنية فقط، بل هي معركة كرامة مهنية وثقة اجتماعية.

*ما بعد الخطاب*

لكن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها هي أن المدرسة الموريتانية لم تعد تحتمل إصلاحات بطيئة.

فالتحولات التي يشهدها العالم اليوم – في الاقتصاد الرقمي والمعرفة والذكاء الاصطناعي – تجعل من التعليم مسألة سيادة وطنية لا مجرد سياسة قطاعية.

ومن هنا فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق المشاريع، بل في القدرة على جعل المدرسة أولوية سياسية لا تنافسها أي أولوية أخرى.

*كلمة أخيرة*

حين يتحدث رئيس الدولة عن إعادة الاعتبار للمدرس، فإن ذلك يحمل رسالة أمل لقطاع طال انتظاره للاعتراف.

لكن الأمل الحقيقي سيولد يوم تتحول هذه الرسالة إلى سياسات ملموسة تعيد للمدرس مكانته وللمدرسة هيبتها.

فمستقبل موريتانيا لن يُصنع في الخطابات وحدها، بل في الفصول الدراسية حيث يتشكل وعي الأجيال القادمة.

وهناك فقط… تبدأ نهضة الأمم.

زر الذهاب إلى الأعلى