في رده على النائب كاديتا جل “من يملك الحقيقة”؟ جدل الذاكرة والهوية في موريتانيا / محمد عبد الله بين ا

مقال السيدة جالو يطرح سؤالًا مشروعًا حول العدالة الانتقالية وملف الإرث الإنساني، لكنه – في بنيته الخطابية – ينزلق إلى منطق الاستقطاب، ويستعيد ثنائية “الضحايا مقابل الشوفينيين”، بدل أن يؤسس لمسار جامع يتسع للحقيقة والإنصاف دون شيطنة.
*أولًا: في مستوى الخطاب والمفردات*
حين يُفتتح المقال بوصف خصوم الرأي بـ”الشوفينيين المتطرفين العنصريين”، فإن ذلك يؤسس لإطار إقصائي قبل مناقشة الحجة.
فاللغة هنا ليست توصيفًا بقدر ما هي تموضع سياسي وأخلاقي يُغلق باب النقاش.
الخطاب الجامع لا يبدأ بتجريم النوايا، بل بتفكيك المواقف.
والتمييز ضروري بين:
من ينكر وقائع ثابتة (وهذا مرفوض أخلاقيًا وقانونيًا)،
وبين من يخشى توسيع الملف أو توظيفه سياسيًا (وهو موقف قابل للنقاش).
تحويل كل تحفظ إلى “شوفينية” يخلق استقطابًا جديدًا بدل رأب الصدع.
*ثانيًا: ملف الإرث الإنساني بين العدالة والانتقائية*
الإشارة إلى أحداث 28 نوفمبر 1990 في إينال مؤلمة بلا شك، وهي جرح في الذاكرة الوطنية.
لكن معالجة هذا الجرح لا تكون بتوسيع دائرة الاتهام الخطابي، بل بإرساء مسار مؤسسي واضح للعدالة الانتقالية، يقوم على:
كشف الحقيقة كاملة دون انتقاء.
الاعتراف الرسمي الواضح وقد تم بالفعل مع الاعتذار باسم الشعب من الرئيس الراحل سيد محمد ولد الشيخ عبد الله.
جبر الضرر وفق معايير شفافة ، وقد تم من ذلك شيء في فترات مختلفة.
ضمان عدم التكرار.
فإذا طُرح سؤال: هل يشمل الملف كل الانتهاكات منذ الاستقلال أم حقبة معينة؟
فهذا ليس بالضرورة خلط أوراق، بل هو سؤال في نطاق العدالة الانتقالية نفسها.
كثير من تجارب المصالحة في العالم اعتمدت تحديدًا زمنيًا واضحًا لتفادي التسييس.
*ثالثًا: المقارنة بين الانتهاكات… هل هي مناورة؟*
يرفض المقال المقارنة بين ما حدث داخل موريتانيا وما وقع للموريتانيين في السنغال سنة 1989.
غير أن المقارنة – إن أُديرت بموضوعية – لا تعني المساواة القانونية، بل تهدف إلى الإقرار بأن الألم وطني جامع، وأن الضحية ضحية أينما كان موقعه.
في حين أن حصر الذاكرة في اتجاه واحد يرسخ شعورًا مضادًا بالإنكار لدى فئات أخرى.
أما الاعتراف الشامل فيُنتج ذاكرة وطنية موحدة لا ذاكرات متقابلة.
*رابعًا: خطاب “الدولة العميقة”*
إدخال مفهوم “الدولة العميقة” دون تحديد أدلة ملموسة يُضفي على النقاش طابعًا تآمريًا.
النقاش السياسي الصحي يفترض مساءلة واضحة لا إيحاءات.
فالمصالحة لا تُبنى على الشكوك، بل على مؤسسات شفافة وضمانات قانونية.
*خامسًا: أين الخطاب الجامع؟*
المفارقة أن المقال يدعو إلى طي صفحة سوداء، لكنه يعتمد لغة تصنيفية قد تعيد إنتاج الاصطفاف الهوياتي.
*الخطاب الجامع يفترض:*
الإقرار بالانتهاكات دون إنكار.
رفض التوظيف السياسي للذاكرة.
عدم وصم المخالف بالراديكالية تلقائيًا.
الإيمان بأن الوحدة الوطنية لا تتحقق عبر غالب ومغلوب، بل عبر تعاقد جديد.
*ليست المسألة عودة “شوفينيين”* بقدر ما هي عودة توتر في إدارة الذاكرة الجماعية. وإعادة إنتاج الخطاب العنصري البغيض من قبل الفىويين.
وأخطر ما يواجه مسار العدالة الانتقالية ليس إنكار البعض فحسب، بل أيضًا احتكار الحديث باسم الحقيقة.
إذا كنا نريد فعلًا طيّ هذا الفصل الأليم من تاريخ موريتانيا، فالمطلوب هو:
تحويل الملف من خطاب سياسي إلى مسار قانوني مؤطر.
إشراك جميع المكونات دون تخوين.
جعل العدالة وسيلة للوحدة لا أداة فرز.
فالوطن لا يُبنى بذاكرة انتقائية، ولا بخطاب تعبوي انفعالي وفئوي، بل بعقل بارد وقلب واسع.