محمد عبد الله ولد بين يكتب: عبد الناصر وأزمة الحوار مع الإخوان المسلمين قراءة تحليلية من منظور الدولة الوطنية ومفهوم الشرعية الثورية

مقدمة
لم تكن أزمة الحوار بين الرئيس جمال عبد الناصر وجماعة الإخوان المسلمين مجرد خلاف سياسي عابر، بل كانت تعبيرًا عن صدام عميق بين مشروع الدولة الوطنية الحديثة الذي تبنّته ثورة يوليو، ومشروع أيديولوجي عابر للدولة تمثّله جماعة الإخوان المسلمين. ومن هذا المنطلق، فإن رفض الإخوان للحوار مع عبد الناصر لا يمكن فهمه إلا في إطار رفضهم للاعتراف بشرعية الدولة الجديدة، وسعيهم الدائم لفرض أنفسهم كقوة فوق السلطة السياسية.
أولًا: ثورة يوليو وبناء الدولة
جاء جمال عبد الناصر إلى السلطة في لحظة تاريخية فارقة، كان فيها الهدف الأساسي هو تحرير الإرادة الوطنية، وبناء دولة قوية مستقلة، قادرة على إنهاء الاستعمار، وتحقيق العدالة الاجتماعية. وقد تطلّب هذا المشروع توحيد مركز القرار السياسي، وإنهاء حالة الفوضى الحزبية التي ميّزت العهد الملكي، بما في ذلك التنظيمات التي تمتلك أذرعًا سرية أو ولاءات تتجاوز مفهوم الدولة.
في هذا السياق، لم يكن الصدام مع الإخوان خيارًا أيديولوجيًا بقدر ما كان ضرورة سياسية وأمنية فرضتها طبيعة المرحلة.
ثانيًا: لماذا رفض الإخوان الحوار مع عبد الناصر؟
1. رفض الاعتراف بشرعية الدولة
منذ البداية، تعاملت جماعة الإخوان مع ثورة يوليو بوصفها مرحلة انتقالية يجب أن تفضي إلى تمكينها سياسيًا. وعندما تبيّن أن عبد الناصر يسعى إلى بناء دولة مدنية ذات مرجعية وطنية جامعة، لا دولة دينية أو تنظيمية، رفضت الجماعة الاعتراف بشرعيته، معتبرة أن “الشرعية” يجب أن تنبع من تصورها الخاص للإسلام السياسي.
هذا الرفض المبدئي جعل أي حوار سياسي بلا معنى، لأن الحوار يفترض الاعتراف المتبادل بشرعية الأطراف.
2. السعي إلى الشراكة القسرية في الحكم
لم تطالب جماعة الإخوان بالحوار من أجل التعددية، بل من أجل تقاسم السلطة، مع الاحتفاظ بتنظيمها الخاص، وهو ما يتناقض مع منطق الدولة الحديثة. فقد أرادت الجماعة أن تكون “دولة داخل الدولة”، وهو أمر لم يكن عبد الناصر، بوصفه قائدًا لمشروع وطني تحرري، ليقبله.
وعندما رفض النظام هذه الصيغة، اعتبرت الجماعة ذلك إقصاءً، بينما هو في جوهره دفاع عن سيادة الدولة.
3. اللجوء إلى العنف بدل السياسة
مثّلت حادثة المنشية عام 1954 نقطة فاصلة كشفت حقيقة موقف الإخوان من الحوار. فمحاولة اغتيال رئيس الدولة لم تكن فقط عملًا إجراميًا، بل إعلانًا صريحًا عن فشل الجماعة في قبول قواعد العمل السياسي السلمي. بعد هذه اللحظة، لم يعد من الممكن الحديث عن حوار، لأن الدولة لا تفاوض من يهدد وجودها.
4. الخطاب الأيديولوجي الإقصائي
ساهمت أدبيات بعض منظري الإخوان، وعلى رأسهم سيد قطب، في ترسيخ رؤية تكفيرية للسلطة والمجتمع، تقوم على تقسيم العالم إلى “إسلام” و“جاهلية”. هذا الخطاب أغلق الباب نهائيًا أمام أي حوار، لأنه لا يعترف بالدولة الوطنية ولا بالمجتمع نفسه، بل يضع التنظيم في مواجهة الجميع.
ثالثًا: عبد الناصر بين الحزم والمسؤولية التاريخية
يُنتقد عبد الناصر أحيانًا بسبب تشدده تجاه الإخوان، غير أن هذا التشدد يجب قراءته في سياق حماية مشروع وطني مهدد. فقد واجه الرجل تحديات جسيمة: الاستعمار، العدوان الثلاثي، بناء الجيش، العدالة الاجتماعية، والوحدة الوطنية. ولم يكن ممكنًا، في ظل هذه التحديات، السماح لتنظيم أيديولوجي مغلق بأن ينازع الدولة سلطتها أو يفرض عليها مرجعيته.
إن رفض الإخوان المسلمين للحوار مع جمال عبد الناصر لم يكن نتيجة قمع سياسي فحسب، بل كان تعبيرًا عن تناقض بنيوي بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع الجماعة. وقد اختار عبد الناصر، انطلاقًا من مسؤوليته التاريخية، الانحياز إلى الدولة، حتى وإن كان ذلك على حساب الصدام مع الإخوان. وتؤكد هذه التجربة أن الحوار لا يمكن أن ينجح إلا حين يعترف الجميع بالدولة، ويحتكمون إلى منطق السياسة لا منطق التنظيم أو العقيدة المغلقة.