محمد الراظي ، يكتب/ لا مستقبل للفرنسية في هذه البلاد

حادثة البرلمان أفصح من كل بيان فقد أوضحت بما لا يدع مجالا للشك أن المسألة الثقافية في هذه البلاد قضية لها أبعاد كبيرة تتخطي بكثير دائرة التجاذبات السياسية المحلية.

حين طلب من السيد الوزير أن يخاطب النواب بالبولارية ولي مستنكفا وسكت…….. فلا قدرة له علي توصيل أفكاره بغير اللغة الفرنسية!!!!!!

حجة ما قال بها أحد من سابقيه فكلهم تحدثوا باللغة العربية فأحسنوا التعبير وأوصلوا ما في صدورهم من أفكار ومعلومات ولم يشك أحد من ضعف إدراك ولا ضبابية في الفهم تماما كما كان حال المترجم الفوري سمع بالعربية ونقل بأمانة ووضوح ما وصل سمعه للغات ثلاث هي ما يشكل بقية المشهد الثقافي للبلاد: البولارية والسوننكية والولفية….أمر في منتهي الغرابة أن ينجح مترجم فوري في استيعاب لغة وتوزيع دلالات خطاب إلي لغات أخري ويعجز إطار كفؤ عن التعبير بلغة نطق بها تأتآته الأول و تحدث بها طفلا ومع الأتراب في البيت والشارع والمدرسة !!!

مشهد مشوٌش وطلاسم متحركة وأفق غم ازداد ضبابية حين تواري الذين ظلوا يشكون مظلومية تهميش اللغات الوطنية عن دعم الذين ناشدوا السيد الوزير أن يتحدث بلغته البولارية.

البعض آثر صمت القبور والبعض الآخر طفق يستشيط غضبا متهما هذا وذاك بأشنع الأوصاف في حين كان بعض من القوم يدافع عن “حق الرجل” في التعبير بما يرضي من لغات العالم في برلمان أمة أجازت دستورا حدد لغتها الرسمية ولغاتها الوطنية في مواد ناطقة بذاتها وغير قابلة للتأويل !!!!!!!!

القضية أكبر من كل ما قد يتصوره البعض إذ تدخل ضمن أجندات منظمة الفرانكوفونية التي أنشئت أساسا لحماية وترسيخ أقدام اللغة الفرنسية في الفضاء الإستعماري الفرنسي السابق من خلال توظيف أذرع الإستعمار علي المستوي المحلي من مختلف مكونات المجتمع للوقوف أمام اللغة العربية وعدم تمكينها من لعب دورها الدستوري لأنها الوحيدة القادرة علي تحييد الثقافة الفرنسية من المنطقة.

يذكر المرحوم محمد ولد مولود ولد داداه(الشنافي) أن الفرنسيين اشترطوا علي المرحوم المختار ولد داداه عدم دمج اللغة العربية في الإدارة والتعليم.
ولكن المختار بحذاقته وكياسته لم يمانع ساعتها مع إدراكه التام أنه لا يصح إلا الصحيح مما جعله يواجه صعوبات جمة متعددة العناوين والأبعاد منذ أيام الإستقلال الأولي.
في عامي 62/63 تعالت أصوات من داخل حزب الشعب تطالب بمحاصصة في الحكم من خلال تبني سلطة تنفيذية برأسين رئيس الجمهورية ونائب له أو رئيس جمهورية ورئيس وزراء ذي صلاحيات واسعة لا ينتميان لنفس المكون القومي أو رئاسة دورية تعود مناصفة لعنصر عربي مرة ومرة أخري لعنصر من القوميات الأخري.
ساعتها كانت كل الطواقم الإدارية والأمنية والثقافية من المكون الإفريقي من مختلف الجنسيات قدموا من أندر بالسنغال حيث كانوا يديرون هناك الشأن الموريتاني إبان الإستعمار.
خيرهم المرحوم المختار ولد داداه بين الجنسية الموريتانية والتعاقد الطويل الأمد والقابل للتجديد مع الدولة.
استهوي التجنيس السنغاليبن بكثرة وكانوا غالبية تلك الطواقم وذلك لكثير من الإعتبارات من أهمها قربهم الجغرافي وتداخل العلاقات المجتمعية مع الموريتانيين ونفر الإفواريون والبينينيون وغيرهم إلا القلة وآثروا عقودا خدمية مع الدولة.

كان التشبث باللغة الفرنسية كلغة ناظمة للإدارة ولغة تعليم ولغة مراسلات دولية وإقليمية عنوانا للحيلولة دون أن تأخذ اللغة العربية مكانتها كرمز للإستقلال الثقافي والإقتصادي أيضا – حيث أثبتت الدراسات أن التبادلات التجارية والإقتصادية بين فضاءات تستخدم نفس اللغة تكون أعلي بكثير مما ستكون عليه في حالة تعدد اللغات……وهو ما كان من أهم أسباب تشبث فرنسا ببقاء لغتها حاضرة وبقوة في مستعمراتها السابقة.
اندلعت أحداث 66 المؤلمة إثر تطبيق القانونين 025 و026 لعام 1965والقاضيين بإضافة ساعتين فقط من تدريس اللغة العربية في المرحلة الإبتدائية والإعدادية خلال السنة الدراسية 65/66.
ثار الأطر المنحدرون من الضفة وخاصة من المكون البولاري وأصدروا ما يعرف ببيان التسعة عشر واستقالوا من وظائفهم تضامنا مع الطلبة المضربين خوفا من ساعتين من اللغة العربية إذ اللغة الفرنسية في خطر !!!!!
كانت فرنسا تستعد لإنشاء منظمة الفرانكوفونية لتواصل بها سطوتها الثقافية في مستعمراتها التي اضطرت لتركها بعيد الهزيمة في الحرب الثانية وما نتج عنها من رياح تحررية لم يسلم منها ركن في العالم.. …. لفرانكوفونية والفرنك الإفريقي ظلا ذراعي الإستعمار الفرنسي بعد رحيله.
زاد من تسارع الأحداث في موريتانيا خروج البلاد من الاوكام واستقالة أو تنحية الوزير القوي المرحوم با بوكار ألفا.
لم يطالب أحد حينها بتدريس اللغات الوطنية أحرى ترسيمها رغم أن الكثير من النخب الإفريقية ذات الصيت الثقافي العالمي من أمثال أمباتي با Hampathé Ba كانوا قد عقدوا مؤتمرا في باماكو نفس السنة للتفكير في كتابة وتطوير اللغات المحلية في أفريقيا.
عام 1978 يشهد ميلاد حركة الحر المطالبة بمحاربة العبودية وإنصاف الأرقاء السابقين وهو ما رأت فيه حركة 66 فرصة لإذكاء قطيعة بين مكوني العنصر العربي في موريتانيا.
تقر وزارة التعليم بموجب التعميم 002 عام 1979 زيادة ضارب اللغة العربية فتندلع احتجاجات طالبية في أوساط المكون الإفريقي راح ضحيتها طالب ثانوية من المكون العربي أمام الثانوية الوطنية.
حرك سياسيو افلام – الذين سيعلنون رسميا عن ميلاد الحركة عام 1986- الشارع بغية استنساخ تجربة 66 ومعرفة مدي أثر ميلاد حركة الحر علي التماسك المجتمعي في المكون العربي.
عام 86 أي عشرين سنة بعد إعلان 19 تعلن افلام عن نفسها من خلال إعلان 19 أيضا و الإعلانان موجودان عام 2020 علي الموقع الرسمي للحركة.
طالب الإعلان الأول بفدرالية وتقاسم السلطة بطريقة محاصصية وتمكين اللغة الفرنسية كلغة وحدة وطنية في حين طالب الإعلان الثاني بترسيم اللغات الوطنية ومساواة اللغة العربية دستوريا باللغات الأخرى التي ما تزال طور الكتابة وابتدعت نسخة 86 مصطلح السود الموريتانيين لشق الصف العربي بعدما فشل اختبارهم 79 و 66.
هناك يد استعمارية وراء خلق الإشكالات اللغوية للدول التي اعتمدت لغة رسمية غير لغة المستعمر وقد وظفت هذه القوي الكثير من المثقفين من مختلف القوميات وخاصة أولئك الذين درسوا بلغة المستعمر مما جعلهم يعتبرون مستقبلهم مرهونا بسيادة هذه اللغة في حين أن الدول التي أبقت علي اللغات الإستعمارية لغات رسمية لم تعش أي أشكال ثقافي.

أبقت نيجيريا علي الإنجليزية لغتها الرسمية في حين صنفت اللغة البولارية لغة أقليات رغم أن االبلاد تحوي أكبر تجمع للفلان في العالم.
ولم يكن حال الكاميرون الإتحادي مغايرا إذ أبقي اللغة الانغليزية اللغة الرسمية في الإقليم الأنغلوفوني والفرنسية اللغة الرسمية في الإقليم الفرانكوفوني في حين صنف الدستور اللغة البولارية لغة محلية رغم كونها أكثر لغة منطوقة في البلاد بنسبة 21 %.

وقد تمسكت غينيا باللغة الفرنسية لغتها الرسمية الوحيدة و صنفت اللغة البولارية التي ينطق بها أكثر من 32% من السكان لغة وطنية.

والحال ذاتها بالنسبة للسنغال ومالي وبوركينافاسو وباقي دول افريقيا الفرانكوفونية.
القاسم المشترك بين الدول التي لم تخلق لها أزمات بعناوين ثقافية هو الإبقاء علي لغة المستعمر كلغة ضابطة.

تجب الإشارة إلي الفصل بين المكون الفلاني وبعض سياسي البولار الذين يقفون وراء هذا الإشكال الثقافي في موريتانيا.
فالفلان هم أكثر الناس عداء للإستعمار بشهادة المستعمرين أنفسهم ومن أكثر الأقوام كفاحا وأكثرهم استبسالا في وجه الغزاة وهم أيضا من أكثر الأوساط احتضانا للثقافة العربية وأكثرهم تمسكا بالدين الإسلامي.

اللغة الفرنسية والتنمية

يجادل البعض أن اللغة الفرنسية عامل من عوامل التنمية باعتبارها الأكثر قدرة علي مسايرة تطور العلوم والمعارف.

هذا الموضوع في شكله التبسيطي الذي يطرح به قد لا يكون من الضروري جدا الرد عليه وقد يكون من الأنسب النظر إلي واقع الدول التي تشبث باللغة الفرنسية بشكل يلامس التصوف لنري كيف هي اليوم وكيف هي الدول التي لم تكن كذلك.

يحدد برنامج الأمم المتحدة للتنمية مؤشر التنمية البشرية علي أساس معدل الأعمار ومستوي التكوين ومستوي المعيشة.
تتقدم خمس دول ترتيب هذا المؤشر في القارة الإفريقية: السيشل موريس الجزائر تونس بوتسوانا.
ورغم أن الأسباب لذلك كثيرة ومتنوعة إلا أن ما يميز هذه الدول أن ثلاثة منها مستعمرات انجليزية سابقة( السيشل وموريس بوتسوانا ) واثنتين منها تحررت من سلطة فرنسا المالية والنقدية مع خروجها من الديار(الجزائر وتونس ).
أما الخمسة الأواخر في هذا المؤشر فهم علي التوالي: النيجر ووسط أفريقيا واتشاد وجنوب السودان (حديث النشأة) وبوروندي.
وكل هذه الدول- بإستثناء جنوب السودان – مستعمرات فرنسية سابقة.
الذين يعرفون الفوارق البنيوية بين الأركان المؤسسة للمشروع الإستعماري الفرنسي والبريطاني قد لا تفاجئهم هذه النتيجة.
النظام اليعقوبي الضابط للسلوك الإداري والسياسي الفرنسي نظام مركزي يسعي لجعل الجميع توابع لسلطة باريس في الثقافة أولا وفي الإقتصاد ثانيا وفي التجارة أخيرا.
هذه النظرة الفرنسية لدور الدولة والتي تتجلي علي كل المستويات (حتي أنهم يعتبرون كلمة الدولة إسم علم ولا يكتبون حرفها الأول الا كبيرا Etat) هي ما جعلت فرنسا تركز في حملاتها الإستعمارية علي إرسالياتها التبشيرية ومدارسها لتحويل سكان المستعمرات إلي فرنسيين ولكن من درجة دونية (يدرسون مبادئ الحرية مثلا ويفرض عليهم واقع استرقاقي رهيب ) في حين تميز الإستعمار البريطاني بالتركيز علي توسيع دائرة التعامل التجاري فانتهج نظاما تشاركيا يشعر من خلاله مواطنو المستعمرات بأنهم شركاء لا تبعة فتطور فيهم حس المبادرة وقوة الخلق والشعور بالذات ….. الفرق بين الفرنسي والبريطاني هو الفرق بين تاجر قوي وغازي متسلط ( ثارت الهند بمقاطعة المنتجات وثارت الجزائر بحمل البندقية ) وهو ما قد يفسر (مع أسباب أخري) تصدر المستعمرات البريطانية السابقة وتلك التي تحررت بصفة كاملة عن فرنسا ترتيب دول القارة حسب الناتج الداخلي الخام:
نيجيريا جنوب افريقيا مصر الجزائر المغرب أنغولا كينيا أثيوبيا غانا تانزانيا ليبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ……..
ولا يعني هذا إطلاقا إنكار قوة فرنسا وحضورها التاريخي والثقافي في العالم ولكن فقط ليفهم دعاة الفرنسة أننا إذا كان لابد لنا من الإستلاب – وهم ما لا يرضي به إلا قلة القلة من كل مكونات شعبنا- فإن فرنسا ليست هي العنوان الأفضل لحط الرحال…..

لقد آن لهذا الجدل أن ينتهي فموريتانيا ليست نشازا بين الأمم ولن تكون اللغة الفرنسية أوفر حظا من الفرنك الغرب افريفي الذي سيودعه الأفارقة مطلع العام القادم.

محمد ولد الراظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *