من إنجاز البنية التحتية إلى تعميم التنمية: موريتانيا ورهان الدولة القريبة من المواطن/ بقلم: محمد عبد الله ولد بين

ليس إنجاز المشاريع التنموية مجرد مناسبة للتدشين أو استعراض الأرقام، بل هو محطة تستحق التوقف عندها لاستقراء ما تحقق، وتقدير الجهود التي بُذلت، واستشراف ما ينبغي أن يتحقق في المراحل المقبلة. فالتنمية الحقيقية ليست فعلا موسميا ولا استجابة ظرفية لمطالب آنية، وإنما هي مسار تراكمي تتكامل فيه الرؤية السياسية مع التخطيط العلمي، والإرادة الإدارية مع كفاءة التنفيذ، والموارد المتاحة مع حسن توجيهها نحو الأولويات الوطنية.
من هذا المنطلق، يشكل ما تحقق في المرحلة الأولى من البرنامج التنموي الموجه لمدينة نواكشوط، وما صاحب ذلك من إطلاق للمرحلة الموالية، مناسبة للتنويه بالجهود المبذولة، وتهنئة فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وكل من أسهم في هذا الورش الوطني من قريب أو بعيد؛ بدءا بالقطاعات الحكومية والفرق الإدارية والفنية، مرورا بالمؤسسات والشركات الوطنية المنفذة، وانتهاء بالكفاءات واليد العاملة التي حولت التصورات والبرامج إلى مشاريع قائمة على أرض الواقع.
إن نواكشوط، بما تمثله من ثقل ديمغرافي واقتصادي وإداري ورمزي، ليست مجرد عاصمة سياسية، بل هي مرآة الدولة وواجهة حضورها العمراني والخدمي. ومن ثم، فإن تطويرها ليس ترفا عمرانيا، ولا استجابة لمطلب جمالي فحسب، بل ضرورة تنموية تفرضها مكانتها، وحجم سكانها، وتزايد احتياجاتهم، وما يقتضيه التحول الحضري من بنى تحتية قادرة على مواكبة النمو وتوفير شروط الحياة الكريمة.
وتكتسب حصيلة المرحلة الأولى أهميتها من تنوع القطاعات التي شملتها، إذ امتدت إلى التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق والمنشآت الرياضية والتهيئة الحضرية. وهي قطاعات لا تقاس أهميتها بعدد المنشآت المنجزة وحده، بل بما تحدثه من تحول ملموس في حياة الناس، وما توفره من فرص للولوج العادل إلى الخدمات الأساسية.
ولعل من أبرز دلالات هذا المسار أن المرحلة الأولى ليست نهاية البرنامج، وإنما مدخل إلى مراحل أخرى أوسع تدخلا وأعلى سقفا من حيث الطموح. وهذا التتابع بين المراحل يعكس أهمية الاستمرارية في السياسات التنموية؛ إذ لا يمكن بناء مدينة حديثة بقرارات متفرقة أو مشاريع معزولة، وإنما برؤية متكاملة تتراكم نتائجها، ويعزز بعضها بعضا.
من العاصمة إلى العواصم الجهوية: وحدة الرهان التنموي
وإذا كانت نواكشوط قد حظيت بورش تنموي واسع، فإن الرهان الأكبر يظل في تعميم منطق التنمية على مختلف جهات الوطن، حتى لا تتحول الفوارق المجالية إلى عائق أمام العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، تكتسب البعثات الحكومية التي ترأسها وزراء من حكومة معالي الوزير الأول السيد المختار ولد اجاي، وعادت للتو من مختلف العواصم الجهوية، أهمية خاصة؛ فقد أتاحت هذه الجولات فرصة للالتقاء بالمنتخبين والفاعلين المحليين والسلطات الإدارية والجهوية، ومناقشة أولويات المواطنين واحتياجاتهم التنموية، في إطار تنزيل برنامج «طموحي للوطن».
ولا يتعلق الأمر بمجرد جولات بروتوكولية أو لقاءات إدارية عابرة، بل بمسار تشاوري يستهدف التحضير لمرحلة جديدة من التدخل التنموي، قوامها الإنصات إلى المواطنين، وتشخيص الاحتياجات، وترتيب الأولويات على أساس خصوصيات كل ولاية ومقدراتها وإمكاناتها.
فالبرامج المرتقبة تمتد إلى قطاعات تمس صميم الحياة اليومية للمواطن، من التعليم والصحة إلى المياه والكهرباء، مرورا بفك العزلة، ودعم الزراعة والتنمية الحيوانية، وتأهيل البنى التحتية، وتمكين الشباب، وتطوير المنشآت الرياضية والخدمات الاجتماعية.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه المقاربة؛ إذ لا يمكن اختزال التنمية في تشييد المباني أو تعبيد الطرق، مهما بلغت أهميتها، بل ينبغي أن تشمل توفير المدرسة اللائقة، والمركز الصحي القريب، والماء الصالح للشرب، والكهرباء المستقرة، والطرق التي تربط التجمعات السكانية بمراكز الخدمات والأسواق، وتفتح أمام السكان آفاق الإنتاج والاستثمار.
إن المدرسة التي تقترب من التلميذ، والمركز الصحي الذي يختصر مسافة العلاج، والماء الذي يصل إلى التجمعات السكانية، والكهرباء التي تفتح آفاق الإنتاج، والطريق الذي يفك العزلة عن القرى والمناطق النائية؛ كلها حلقات في سلسلة واحدة اسمها التنمية والكرامة الإنسانية.
وتكمن أهمية إشراك المنتخبين والفاعلين المحليين والسلطات الجهوية في أن التنمية لا ينبغي أن تكون مجرد قرارات تصاغ في المركز ثم تنتظر تنفيذها في الأطراف، بل عملية تشاركية تستحضر واقع السكان، وتستفيد من معرفة الفاعلين المحليين باحتياجات مناطقهم، وتجعل المواطن شريكا في تحديد الأولويات ومتابعة النتائج.
غير أن القيمة الفعلية لهذه المشاورات ستظل رهينة بمدى قدرتها على التحول إلى مشاريع ممولة، محددة الآجال، واضحة المسؤوليات، وخاضعة للمتابعة والتقييم. فالمواطن لا ينتظر محاضر اجتماعات بقدر ما ينتظر أن يرى مطالبه المشروعة تتحول إلى خدمات ومنشآت وفرص حقيقية.
التنمية مسؤولية جماعية واستثمار في المستقبل
ولا يفوتنا، في هذه المناسبة، أن ننوه بالدور الذي تضطلع به الكفاءات الوطنية والشركات والمؤسسات الموريتانية في تنفيذ المشاريع التنموية. فإسناد الأوراش إلى الفاعلين الوطنيين، متى توافرت معايير الجودة والشفافية والتنافسية، لا يمثل مجرد خيار اقتصادي، بل هو أيضا استثمار في الخبرة المحلية، وتعزيز لقدرات المؤسسات الوطنية، وخلق لفرص العمل، وتوطين للمعرفة الفنية والتقنية.
غير أن الإنجاز لا تكتمل قيمته بمجرد انتهاء الأشغال؛ فالمرفق الذي يُبنى ينبغي أن يجد من يشغله، والمنشأة التي تُنجز ينبغي أن تُصان، والطريق الذي يُعبد ينبغي أن يخضع لمعايير الجودة والاستدامة. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من ثقافة إنجاز المشاريع إلى ثقافة إدارة المرافق والمحافظة عليها وقياس مردوديتها.
كما أن الموضوعية تقتضي الاعتراف بأن حجم التطلعات أكبر من أن تستوعبه مرحلة واحدة، وأن بعض الاختلالات والتأخيرات قد تظل قائمة، وهو ما يجعل التقييم الصريح والتصحيح المستمر شرطين ضروريين لتجويد الأداء وتسريع وتيرة التنفيذ.
إن المواطن لا يريد فقط أن يسمع عن حجم الاعتمادات المالية أو عدد الصفقات والمشاريع، وإنما يريد أن يلمس أثرها في مدرسته، ومركزه الصحي، ومصدر مياهه، وطريقه، وإنارته، وفرص أبنائه في التكوين والتشغيل.
بلدنا يستحق، وعاصمتنا تستحق
إن تهنئتنا لفخامة رئيس الجمهورية على ما تحقق في المرحلة الأولى، وتقديرنا لكل من ساهم في تنفيذها، لا ينفصلان عن تطلعنا إلى أن تتواصل هذه الديناميكية، وأن تتراكم نتائجها في نواكشوط وسائر عواصمنا الجهوية ومناطقنا الداخلية.
فموريتانيا تملك من الإمكانات البشرية والطبيعية والمؤسسية ما يؤهلها لقطع أشواط معتبرة في مسار التنمية، شريطة أن تتكامل الرؤية مع التنفيذ، وأن تتقدم المصلحة العامة على الاعتبارات الضيقة، وأن تظل الإدارة في خدمة المواطن، وأن يكون الإنصاف المجالي والاجتماعي معيارا حاضرا في توزيع المشاريع والخدمات.
إن بناء نواكشوط التي نطمح إليها لا يتحقق في يوم أو سنة، كما أن تنمية الداخل لا تختزل في زيارة وفد حكومي أو إطلاق مشروع هنا وآخر هناك. إنها عملية تراكمية طويلة النفس، تحتاج إلى الاستمرارية، والجدية، وحسن التدبير، والإنصات الدائم لنبض المجتمع.
هنيئا لفخامة رئيس الجمهورية بما تحقق من خطوات في هذا الورش التنموي، وهنيئا لكل الأطر والفرق الإدارية والفنية والشركات الوطنية والعمال الذين أسهموا في تجسيده.
والأمل أن تتواصل الجهود، وأن تتسع دائرة الإنجاز، وأن تصبح نتائج هذه البرامج واقعا يلمسه المواطن في تفاصيل حياته اليومية، لا مجرد أرقام في التقارير أو عناوين في وسائل الإعلام.
فبلدنا يستحق تنمية تليق بإمكاناته، وعاصمتنا تستحق مكانة تليق بدورها، ومواطنونا يستحقون خدمات تحفظ كرامتهم وتفتح أمام أبنائهم آفاق المستقبل.
وما لم يتحقق اليوم يمكن أن يتحقق غدا، إذا استمر العمل، وحضرت الإرادة، وحسن التخطيط، وتراكمت الإنجازات.