*محمد عبد الله ولد بين يكتب: في رده على موقع أخبار الوطن:* *من «أخبار الوطن» إلى الحقيقة: من يريد إسقاط ولد أجاي؟*

حين يعجز الخبر عن حمل الدليل، تستنجد الصحافة بالإشاعة

يبدو أن المدير الناشر لـ«أخبار الوطن» قد اكتشف أخيرًا الوصفة السحرية لإقالة الوزراء: محطة كهرباء تحترق، وعاصمة تنطفئ، ثم تُكتب رواية عن غضب الرئيس، وليلة في العزلة، ووساطة تنقذ الوزير الأول من الإقالة!

يا لها من صحافة!

لكن المشكلة الوحيدة في هذه «السبق الصحفي» أنها نسيت أهم شيء في الخبر: الدليل.

فالمقال الذي حمل عنوانًا مثيرًا: «كيف نجا الوزير الأول ولد أجاي من غضب الرئيس والإقالة؟ ليلة طويلة خارج دائرة الثقة وتفاصيل مثيرة»، لا يقدم للقارئ واقعة موثقة بقدر ما يقدم له سيناريو سياسيًا مكتمل الحبكة، ثم يطلب منه أن يصدقه لأن «مصادر» قالت، و«متابعين» رأوا، و«معلومات متداولة» تحدثت!

وهنا لا بد من السؤال بصراحة:

من الذي يريد «أخبار الوطن» أن يُقنع الموريتانيين بأنه كان قاب قوسين أو أدنى من إقالة المختار ولد أجاي؟

وهل لدى الموقع ما يثبت ذلك فعلًا، أم أن المسألة مجرد أمنية سياسية أُلبست ثوب الخبر؟

أولًا: نعم، الكهرباء انقطعت… لكن الوزير الأول لم يُقل

لنبدأ من الحقيقة التي لا خلاف عليها.

لقد شهدت نواكشوط أزمة كهرباء خطيرة إثر حريقين في محطتي تحويل، وتسببا في اضطرابات واسعة في الخدمة. وهذا أمر لا ينبغي التقليل من شأنه، ولا يجوز أن يُطلب من المواطن أن يقبل به دون تفسير أو محاسبة.

لكن الحقيقة الأخرى التي ينبغي ألا تُدفن تحت ركام الإثارة هي أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وجّه بتشكيل لجنة وزارية لمتابعة تداعيات الحريقين، وبإنشاء لجنة تحقيق مستقلة للنظر في أسبابهما وتحديد المسؤوليات، كما تولى الوزير الأول رئاسة اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة الأزمة.

فأين هي «ليلة خارج دائرة الثقة»؟

وأين قرار الإقالة الذي «نجا» منه الوزير الأول؟

ومن الذي أبلغه بأنه أُقيل ثم أعاده إلى منصبه؟

لا شيء من ذلك ظهر في الوقائع المعلنة.

الموجود هو أزمة كهرباء حقيقية، وإدارة حكومية لتداعياتها، ولجنة تحقيق مستقلة، وتعليمات رئاسية.

أما قصة «الإقالة التي أنقذته منها الوساطة»، فهي شيء آخر تمامًا.

إنها رواية المقال، وليست حقيقة ثبتت على الأرض.

ثانيًا: أخطر ما في المقال ليس ما قاله… بل ما لم يستطع إثباته

لنقرأ عبارات المقال بهدوء:

«بحسب معلومات متداولة»…

«بحسب بعض المصادر»…

«يرى متابعون»…

«وصل فريقه الأمني»…

«في انتظار معرفة ما إذا كان سيُستقبل»…

«تدخلت جهة مقربة من القصر»…

«منحت الحكومة مزيدًا من الوقت»…

«يقوي فرضية إجراء تغيير حكومي قريب»…

ثم، في نهاية المطاف، يعترف الكاتب بأن كل هذه «المعطيات» لا تزال في إطار «القراءات والتسريبات السياسية المتداولة».

وهنا السؤال:

إذا كانت مجرد تسريبات وقراءات، فلماذا صيغ العنوان بصيغة الحقيقة؟

لماذا لم يكن العنوان:

«تسريبات غير مؤكدة حول احتمال إقالة الوزير الأول»؟

لماذا لم يقل:

«تحليلات متداولة بشأن مستقبل الحكومة»؟

بل ذهب مباشرة إلى:

«كيف نجا الوزير الأول من غضب الرئيس والإقالة؟»

الجواب واضح:

لأن عنوانًا كهذا أكثر إثارة، وأكثر جذبًا للقراء، وأكثر قدرة على صناعة الضجيج.

لكن الإثارة ليست دليلًا، وعدد القراءات ليس شهادة صحة، وارتفاع الصخب لا يحول الشائعة إلى حقيقة.

ثالثًا: من أين جاءت قصة «الوساطة»؟

هذه هي الحلقة الأكثر إثارة للريبة في الرواية.

يقول المقال إن «جهة مقربة من القصر الرمادي» تدخلت وأسهمت في إنقاذ الوزير الأول من غضب الرئيس ومن سيناريو الإقالة.

حسنًا.

من هي هذه الجهة؟

ولماذا لم يُذكر اسمها؟

ومتى تدخلت؟

ولدى من توسطت؟

وماذا قالت للرئيس؟

وماذا كان رد الرئيس؟

ومن أين علم الكاتب بهذه التفاصيل؟

هل كان داخل القصر؟

هل كان حاضرًا في اللقاء؟

هل نقلها عن مصدر مباشر؟

وإذا كان المصدر مباشرًا وموثوقًا إلى هذه الدرجة، فلماذا بقي مجهولًا؟

هنا تنهار القصة أمام أبسط قواعد التحقق.

لأننا أمام ادعاء ضخم بلا مصدر يمكن مساءلته.

والمشكلة أن الكاتب لا يكتفي بإخفاء المصدر، بل يبني على المعلومة المجهولة استنتاجًا أخطر: أن الحكومة مستمرة فقط بفضل الوساطات، وأن إقالتها قد تقع في أي لحظة.

وهذا ليس نقلًا للخبر.

هذا إخراج سياسي لرواية غير موثقة.

رابعًا: هل أصبح وجه الوزير الأول وثيقة دستورية؟

يخبرنا المقال أن «ملامح الحزن والإرهاق كانت واضحة على وجه ولد أجاي».

يا للهول!

لقد انتقلنا من الصحافة السياسية إلى قراءة الوجوه!

فهل كل مسؤول يبدو مرهقًا يكون قد تلقى قرارًا بالإقالة؟

وهل كل وزير يعبس في اجتماع يكون قد فقد ثقة رئيسه؟

وهل أصبحت الكاميرا أداة لقراءة القرارات الرئاسية؟

إن الرجل كان في قلب أزمة كهرباء ضربت العاصمة، وكان يدير اجتماعات مرتبطة بها؛ فمن الطبيعي أن يبدو عليه التعب.

لكن تحويل التعب إلى دليل على «الخروج من دائرة الثقة» ليس تحليلًا سياسيًا، وإنما تفسير شخصي لمشهد لا يحمل بالضرورة المعنى الذي أراد الكاتب إلصاقه به.

خامسًا: «صاحب الفخامة أصدر أوامره لنا»… أين المشكلة؟

يبدو أن كاتب المقال وجد في عبارة الوزير الأول: «صاحب الفخامة أصدر أوامره لنا» مفتاحًا لاكتشاف أزمة داخل هرم السلطة.

وهذا استنتاج غريب.

فالوزير الأول يعمل في إطار السلطة التنفيذية، ورئيس الجمهورية هو رأس الدولة وصاحب السلطة الدستورية في تعيين الوزير الأول وإنهاء مهامه.

فإذا قال الوزير الأول إن الرئيس أصدر تعليماته، فماذا اكتشف المقال؟

هل كان المطلوب منه أن يقول: «لم يصدر الرئيس أوامر»؟

إن العبارة في ذاتها طبيعية تمامًا، ولا تحمل أي دليل على وجود أزمة ثقة.

والأغرب أن المقال يحاول أن يجعل منها علامة على «فجوة بدأت تتسع» بين الرئيس والوزير الأول.

هذه ليست معلومة؛ هذه رغبة في قراءة ما وراء الكلام دون دليل.

سادسًا: أزمة الكهرباء تستحق تحقيقًا… لا رواية إقالة

الموريتانيون لا يحتاجون إلى من يختلق لهم أزمة سياسية فوق أزمتهم الخدمية.

هم يريدون أن يعرفوا:

لماذا احترقت المحطتان؟

هل كان هناك تقصير؟

هل كانت الصيانة كافية؟

هل كانت شبكات الطوارئ والبدائل جاهزة؟

من يتحمل المسؤولية؟

وما الذي ستفعله الدولة حتى لا تتكرر الكارثة؟

وهذه بالضبط هي الأسئلة التي قالت الحكومة إن لجنة التحقيق المستقلة ستبحثها، بما في ذلك الأسباب المباشرة وغير المباشرة، والمسؤوليات المحتملة، وجاهزية التعامل مع الحريق، وخطط إعادة الخدمة والتأهيل.

أما أن يأتي كاتب فيحوّل الحريق إلى جنازة سياسية، ثم يبحث عن «من دفن الوزير الأول ومن أنقذه»، فهذه ليست خدمة للمواطن.

إنها خدمة للإثارة.

سابعًا: أين كانت «الإقالة» حين كان الرئيس يجتمع بالوزير الأول؟

وهنا مفارقة لا يمكن تجاوزها.

في خضم الأزمة، عُقد اجتماع رئاسي ضم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني والوزير الأول المختار ولد أجاي ووزير الطاقة والنفط، لمتابعة أزمة الكهرباء.

ثم ترأس الوزير الأول اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة تداعيات الحريقين، معلنًا أن الرئيس وجّه بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة.

فكيف تستقيم هذه الوقائع مع الحبكة التي أراد المقال تسويقها؟

هل كان الرجل «خارج دائرة الثقة» وهو في قلب إدارة الأزمة بتكليف رئاسي؟

هل كانت «الوساطة» تنقذه وهو يؤدي مهمة رسمية؟

هل كانت الإقالة تنتظر لحظة مناسبة بينما الرئيس يكلفه بمتابعة تداعيات الأزمة؟

هنا لا نحتاج إلى الدفاع عن ولد أجاي.

الوقائع نفسها تدافع عن نفسها.

ثامنًا: من حقكم أن تعارضوا ولد أجاي… لكن ليس من حقكم اختراع ولد أجاي آخر

إن كان لدى «أخبار الوطن» خلاف سياسي مع المختار ولد أجاي، فليعلنه.

وإن كان يرى أنه فشل، فليقل لماذا.

وإن كان يرى أن الحكومة قصرت، فليقدم الملفات.

وإن كان يطالب بتغيير الحكومة، فذلك موقف سياسي مشروع.

لكن ليس من حق أحد أن يختلق داخل القصر ما لم يثبت، وينسب للرئيس ما لم يقله، ويصنع «مصادر» لا يعرفها القارئ، ثم يطلب من الناس أن يتعاملوا مع القصة باعتبارها حقيقة.

النقد حق، أما اختراع الوقائع فليس حقًا.

والصحفي القوي ليس من يستطيع أن يشتم أكثر، وإنما من يستطيع أن يثبت أكثر.

تاسعًا: يبدو أن المشكلة ليست في الكهرباء وحدها

الذي يقرأ هذا المقال بتمعن قد يخرج بانطباع أن أزمة الكهرباء لم تكن سوى مدخل إلى هدف أكبر:

إسقاط المختار ولد أجاي سياسيًا في الرأي العام قبل أن يسقطه أي قرار رسمي.

وهنا تصبح المسألة جديرة بالسؤال:

هل نحن أمام مساءلة حكومية؟

أم أمام حملة سياسية منظمة؟

لأن المقال لا يكتفي بالنقد.

إنه يتحدث عن الحزن.

والإرهاق.

والقلق.

والإقالة.

والوساطة.

والخروج من دائرة الثقة.

والبديل القادم.

والتغيير الحكومي القريب.

كل ذلك في قصة واحدة لا يقدم لها دليلًا حاسمًا.

فما الذي يريده الكاتب من القارئ؟

هل يريد منه أن يحاسب الحكومة؟

أم يريد منه أن يصدق أن الحكومة على وشك السقوط؟

الفرق كبير.

عاشرًا: ولد أجاي ليس فوق النقد… لكنه ليس هدفًا مباحًا للشائعات

لسنا بحاجة إلى صناعة قديس من المختار ولد أجاي.

ولا نقول إن الحكومة لا تخطئ.

ولا نقول إن أزمة الكهرباء بسيطة.

ولا نطالب الصحافة بالصمت.

بل نقول شيئًا أبسط:

حاسبوا المسؤولين، لكن حاسبوهم بالوقائع.

انتقدوا الأداء.

افتحوا الملفات.

حللوا الأرقام.

اسألوا عن المشاريع.

ناقشوا السياسات.

طالبوا بالمساءلة.

لكن عندما تقولون إن رئيس الجمهورية كان غاضبًا، وإن الوزير الأول كان على وشك الإقالة، وإن جهة تدخلت لإنقاذه، وإن الحكومة بقيت بفضل وساطة، فعليكم أن تقدموا الدليل.

وإلا فإنكم لا تمارسون صحافة استقصائية.

إنكم تمارسون صناعة رواية.

وأخيرًا… كلمة إلى المدير الناشر لـ«أخبار الوطن»

يا سيدي،

إن كنت تملك معلومات حقيقية عن فساد أو تقصير أو فشل أو إهدار للمال العام، فضعها على الطاولة.

لا نريد منك مجاملة الوزير الأول، ولا الدفاع عنه.

بل نريد منك أن تفعل ما يفترض أن تفعله الصحافة: أن تضع الحقيقة أمام الناس.

أما إذا كنت تريد إقالة المختار ولد أجاي، فقلها صراحة.

قل:

«نحن نرى أن أداء الحكومة يستوجب تغييرها».

وهذا رأي محترم، حتى لو اختلفنا معه.

أما أن تقول:

«نجا من الإقالة»…

«خرج من دائرة الثقة»…

«تدخلت جهة لإنقاذه»…

«كان الرئيس غاضبًا»…

ثم تختم بأن كل ذلك مجرد «تسريبات وقراءات متداولة»، فهذه ليست شجاعة إعلامية.

الشجاعة أن تسمي مصادرك، والمهنية أن تثبت ادعاءاتك، والنزاهة أن تفرق بين الخبر والرأي والإشاعة.

أما الشتيمة فلا تصنع صحافة.

والإيحاء لا يصنع حقيقة.

والتسريب لا يصنع قرارًا رئاسيًا.

والانقطاع الكهربائي لا يعني تلقائيًا سقوط حكومة.

والوزير الأول لا «ينجو» من الإقالة لأن موقعًا إخباريًا قرر أنه كان على وشكها.

إذا أراد الرئيس إقالة الوزير الأول، فسيُقال بقرار رسمي.

وإذا أراد الإبقاء عليه، فسيبقى.

أما ما بين القرارين، فليس من اختصاص الصحافة أن تملأ الفراغ بالشائعات، ثم تطلب من الناس أن يسموها «تفاصيل مثيرة».

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي بدأنا به أكثر إلحاحًا:

ماذا يريد «أخبار الوطن» من المختار ولد أجاي؟

إذا كان يريد الحقيقة، فليقدم الدليل.

إذا كان يريد الإصلاح، فليقدم النقد.

إذا كان يريد المحاسبة، فليقدم الملف.

أما إذا كان يريد الإقالة، فليعلن موقفه صراحة، بدل أن يحاول إقالة الوزير الأول على صفحات الموقع قبل أن تقيله المؤسسات.

تلك هي المسافة الفاصلة بين الصحافة التي تراقب السلطة، والصحافة التي تريد أن تصبح سلطة بلا تفويض.

زر الذهاب إلى الأعلى