*محمد عبد الله ولد بين يكتب عن :* *المكونات الاجتماعية ومعادلة القوة:* *كيف يُصنع الموقع داخل الوطن؟*

إذا كانت الدول تُقاس مكانتها بما تمتلكه من مؤسسات، واقتصاد، وعلم، وقوة تحمي مصالحها، فإن الكيانات الاجتماعية داخل الدولة تخضع، هي الأخرى، لقانون لا يختلف كثيرًا في جوهره. فالمكونات المجتمعية لا تفرض حضورها بالشعارات، ولا تحفظ مكانتها بالاستناد إلى الماضي وحده، وإنما بما تبنيه من أسباب القوة المشروعة التي تجعلها شريكًا فاعلًا في صناعة الحاضر والمستقبل.
فالمجتمع، شأنه شأن الدولة، لا يعترف بالفراغ. وكل مكوّن يتراجع في ميادين المعرفة، أو الاقتصاد، أو التنظيم، أو الإنتاج، يترك مساحة يشغلها غيره، لأن التاريخ لا ينتظر المتأخرين، والتنمية لا تكافئ المتقاعسين.
وأولى هذه المقومات هو التنظيم الاجتماعي الواعي، القائم على الثقة والتكافل والعمل المؤسسي. فالجماعة التي تمتلك مؤسسات مدنية، وروابط مهنية، وجمعيات تنموية، وصناديق للتكافل، تكون أقدر على حماية مصالحها المشروعة، وعلى الإسهام في التنمية الوطنية، من جماعة يطغى عليها التشتت والفردية.
ثم يأتي الاقتصاد، فهو العمود الفقري لأي حضور اجتماعي. فالمكوّن المنتج، الذي يستثمر في التجارة، والزراعة، والصناعة، وريادة الأعمال، لا يحقق الثراء لنفسه فحسب، بل يصبح شريكًا في التنمية الوطنية، وتزداد قدرته على تمويل التعليم، ودعم المبادرات، وصناعة الفرص للأجيال القادمة.
أما العلم، فهو الثروة التي لا تنضب. والمكوّن الذي يجعل من التعليم مشروعًا حضاريًا، ويستثمر في تكوين أبنائه، وتشجيع البحث العلمي، واكتساب المهارات الحديثة، يضمن لنفسه مكانة متقدمة في المجتمع، لأن القيادة في العصر الحديث لم تعد تورث، وإنما تُكتسب بالكفاءة والمعرفة.
ولا تقل الثقافة أهمية عن الاقتصاد والعلم؛ فهي التي تمنح الجماعة ثقتها بنفسها، وتحفظ ذاكرتها، وتغرس في أبنائها قيم العمل والانضباط والانفتاح. والثقافة الحية ليست تمجيدًا للماضي، بل قدرة على استلهام أفضل ما فيه لبناء المستقبل.
وفي مقابل ذلك، فإن المكونات التي تستنزف طاقاتها في الصراعات الداخلية، أو تجعل الولاءات الضيقة بديلاً عن الكفاءة، أو تكتفي باجترار الأمجاد دون الاستثمار في الإنسان، تجد نفسها تتراجع تدريجيًا، مهما كان تاريخها عريقًا أو عدد أفرادها كبيرًا.
غير أن هذا التحليل لا ينبغي أن يُفهم على أنه دعوة إلى التنافس بين مكونات المجتمع على حساب الوحدة الوطنية، بل هو دعوة إلى التنافس في ميادين البناء والإنتاج والعلم، لأن قوة أي مكوّن اجتماعي لا تكون خصمًا من قوة الوطن، وإنما إضافة إليها. فالوطن القوي هو الذي تكون جميع مكوناته قوية بالعلم، ومنتجة بالاقتصاد، وفاعلة في التنمية، ومؤمنة بالشراكة الوطنية.
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المجتمعات هو أن تتحول المكونات الاجتماعية إلى كيانات متنافسة على الامتيازات بدل التنافس على الإنجازات. فالأمم لا تتقدم بتوزيع النفوذ، وإنما بتوزيع الفرص، ولا تنهض بمنطق الغلبة، وإنما بمنطق الكفاءة والاستحقاق.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي أمام كل مكوّن اجتماعي ليس أن يسأل: كيف أحصل على نصيب أكبر من السلطة أو الثروة؟ بل أن يسأل: ماذا قدمت للوطن من علم؟ وما الذي أضفته إلى اقتصاده؟ وكم أسهمت في ترسيخ قيم المواطنة والإنتاج والتعايش؟
إن المكانة ليست هبة يمنحها الآخرون، ولا إرثًا يُحفظ بالحنين إلى الماضي، وإنما ثمرة جهد متواصل في بناء الإنسان، وتعظيم المعرفة، وإنتاج الثروة، وخدمة الصالح العام. وعندما تدرك جميع المكونات هذه الحقيقة، يتحول التنوع من مصدر للتنافس السلبي إلى مصدر للإثراء الوطني، ويغدو اختلاف الانتماءات رافدًا لوحدة الدولة، لا معولًا لهدمها.
ففي نهاية المطاف، لا يوجد مكوّن قوي داخل وطن ضعيف، كما لا تقوم دولة قوية على مكونات متنازعة. إن قوة الجميع تبدأ من الإيمان بأن الاستثمار في الإنسان، والعلم، والعمل، والمؤسسات، هو الطريق الأقصر إلى المكانة والكرامة، للمجتمع والدولة على السواء.