أين أنتم يا من أكثرتم التشكيك في الإنجاز؟ حين تتكلم الميدان وتنكشف الأوهام/ بقلم: محمد عبد الله ولد بين

default

أين أنتم اليوم، يا من ملأتم منصات التواصل الاجتماعي صخبًا وضجيجًا، وأقمتم من التشكيك في أداء الحكومة خطابًا دائمًا، حتى بدا في بعض مواقفكم وكأن موريتانيا لم تعرف إنجازًا، ولم تشهد تحولًا، ولم تغادر مربع العجز الذي تحرصون على إبقائها فيه؟

لقد بالغتم في إطلاق الأحكام، وذهب بعضكم إلى تصوير المشاريع التنموية باعتبارها أموالًا مهدرة، بل لم يتردد بعض الخطاب المتداول في الإيحاء بوجود اختلاس وتبديد، دون أن يضع دائمًا بين أيدي الناس ما يسند تلك الاتهامات من أدلة. واتخذتم من كل حفرة في طريق، أو مستنقع بعد هطول المطر، أو اختلال في خدمة عمومية، ذريعة لتعميم الفشل وإنكار ما سواه، وكأن النقد لا يكون صادقًا إلا إذا أعرض عن كل خطوة إيجابية، وليوهمنا بأن الاعتراف بالإنجاز ينتقص من حق المواطن في المطالبة بالمزيد.

إننا لا ندعو إلى تكميم الأفواه، ولا إلى تعطيل النقد، ولا إلى إعفاء الحكومة من مسؤولية التقصير؛ فالنقد الموضوعي ضرورة لتصحيح الاختلالات، والمساءلة ضمانة لحسن استخدام المال العام.

لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين نقدٍ يستهدف الإصلاح، وخطابٍ لا يرى في الواقع إلا ما يؤكد أحكامه المسبقة؛ وبين من يطالب الحكومة بتسريع الإنجاز، ومن ينكر الإنجاز كلما تحقق، خشية أن تتعارض الحقيقة مع روايته.

واليوم، يتكلم الميدان.

فقد عرفت العاصمة نواكشوط، خلال السنوات الأخيرة، حراكًا عمرانيًا وتنمويًا شمل تشييد المنشآت الصحية والتعليمية، وبناء الجسور، وتعبيد الطرق، وتطوير البنية التحتية، واكتتاب الآلاف من الموظفين، إلى جانب مشاريع أخرى تستهدف تحسين ظروف العيش وتحديث المرافق والخدمات.

وقد تظل بعض هذه المشاريع دون مستوى تطلعات المواطنين، وقد تعترض تنفيذها صعوبات أو تسجل فيها نواقص تستوجب المعالجة؛ غير أن الإنصاف يقتضي ألا نخلط بين الاعتراف بالنقائص وإنكار المنجزات، وألا نجعل من وجود مشكلة في قطاع أو حي دليلًا على انعدام العمل في المدينة كلها.

وفي هذا السياق، تأتي الجولات الميدانية لمعالي الوزير الأول، المختار ولد اجاي، رفقة عدد من أعضاء الحكومة، لتفقد ورشات العمل والمشاريع قيد الإنجاز في العاصمة. وهي جولات تتجاوز في دلالتها مجرد الحضور الرسمي، متى اقترنت بالمتابعة الجادة- وهي كذلك – ، وتقييم نسب التقدم، والوقوف على العقبات، ومحاسبة المسؤولين عن التأخر أو التقصير.

لقد نزل الوزير الأول إلى الميدان، في عطلة نهاية الأسبوع، متفقدًا مشاريع تتصل بالمرافق الشبابية والملاعب وقاعات الأنشطة والترفيه، ومنشآت صحية تشمل المستشفيات والمراكز والنقاط الصحية، فضلًا عن مشاريع في مجال المياه وغيرها من البنى الأساسية. وهي قطاعات تمس حياة المواطنين مباشرة، ولا تقاس أهميتها بعدد الصور الملتقطة أثناء الزيارات، بل بقدرتها على التحول إلى خدمات فعلية، متاحة للمواطن، ومستجيبة لحاجاته.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل خطاب عام: إذا كانت هذه المشاريع قائمة، وورشاتها تعمل، ومرافقها تتقدم نحو الاكتمال، فكيف يستقيم إنكار كل إنجاز؟ وإذا كان ثمة تقصير في بعض المواقع، أفلا يكون الأجدى تحديده والمطالبة بمعالجته، بدل تحويله إلى حكم شامل على تجربة تنموية بأكملها؟

إن الحقيقة لا تُبنى بالصخب، ولا تُقاس بعدد المنشورات والتعليقات، وإنما تُختبر على الأرض، في حجم ما أُنجز، وجودة ما أُنجز، ومدى انتفاع المواطنين به.

كما أن المسؤولية السياسية لا تُقاس بكثرة الوعود وحدها، بل بالقدرة على تحويلها إلى مشاريع ملموسة، وهو ما شاهدناه، ثم ضمان استدامتها وحسن تسييرها.

ومن الإنصاف كذلك أن نثمّن ما ينجز في إطار تنفيذ برنامج فخامة رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، وأن نرى في متابعة الوزير الأول لهذه المشاريع جزءًا من مسؤولية الحكومة عن تجسيد التوجهات التنموية للدولة. فالدولة لا تتقدم بجهود فرد واحد، وإنما بتكامل المؤسسات، وكفاءة الأطر، ومتابعة المسؤولين، ومشاركة المواطنين؛ لكن ذلك لا يمنع من تقدير المسؤول الذي يختار النزول إلى الميدان، والوقوف على سير العمل، بدل الاكتفاء بتلقي التقارير من المكاتب.

إن الاختبار الحقيقي ليس في زيارة الورشة، بل في تسليم المشروع؛ وليس في تشييد المنشأة وحده، بل في تشغيلها؛ وليس في تعبيد الطريق فحسب، بل في جودة تنفيذه وصيانته؛ وليس في بناء المستشفى، بل في توفير الأطباء والتجهيزات والأدوية والخدمات اللائقة.

بذلك وحده يتحول الإنجاز العمراني إلى تنمية مستدامة، وتصبح الجولات الميدانية وسيلة للمساءلة وتحسين الأداء، لا مجرد مناسبة للترويج السياسي.

ولذلك، فإن دعوتنا إلى المشككين ليست أن يتخلوا عن حقهم في النقد، وإنما أن يرتقوا به إلى مستوى الحجة والبرهان؛ وأن يميزوا بين ما تحقق وما لم يتحقق، وبين المشروع المنجز والمشروع المتعثر، وبين الاتهام الذي تسنده الأدلة والادعاء الذي لا يتجاوز حدود الظن. فليس من الوطنية أن نجمّل الواقع على الدوام، كما أنه ليس من الموضوعية أن نسوّده على الدوام.

أما نواكشوط، التي تتطلع إلى مزيد من العصرنة والتنظيم وتحسين الخدمات، فلا تزال أمامها تحديات معتبرة في تصريف مياه الأمطار، ومعالجة الاختناقات المرورية، وتوسيع شبكات المياه والصرف الصحي، وتحسين النظافة وتوزيع الخدمات بين أحيائها. والاعتراف بهذه التحديات لا ينتقص من قيمة ما تحقق، بل يحدد ما ينبغي أن تكون عليه الخطوة التالية.

فالتنمية ليست صورة مكتملة تُعرض على الناس، وإنما مسار متواصل، تتفاوت مراحله، وتُقاس جديته بقدرته على تصحيح أخطائه والاستجابة لتطلعات المواطنين.

وما دام الوزير الأول يواصل تفقد المشاريع والورشات، فإن المطلوب هو أن تستمر هذه المتابعة، وأن تُنشر معطيات واضحة عن نسب الإنجاز والآجال والتكاليف، وأن يُتاح للرأي العام التحقق من النتائج. فذلك هو السبيل إلى تعزيز الثقة، وإغلاق الباب أمام المزايدات من جهة، وأمام التعتيم والتقصير من جهة أخرى.

فأين أنتم، يا من جعلتم من التشكيك موقفًا دائمًا؟ تعالوا إلى الميدان، وانظروا بأعينكم، وقارنوا بين ما كان وما أصبح، ثم قولوا كلمتكم بالحجة والإنصاف. وإن وجدتم خللًا، فسمّوه وحددوا أسبابه وطالبوا بإصلاحه؛ وإن وجدتم إنجازًا، فأنصفوا أصحابه، لأن الاعتراف بالحقيقة ليس تنازلًا سياسيًا، وإنما فضيلة أخلاقية وشرط من شروط النقاش العام الرشيد.

إن موريتانيا أكبر من خصوماتنا، والتنمية أوسع من حساباتنا، ومصلحة المواطن أسمى من الرغبة في الانتصار لرواية مسبقة.

وليس المطلوب أن نصفق للحكومة في كل ما تفعل، ولا أن نعارضها في كل ما تنجز؛ بل أن نزن أعمالها بميزان النتائج، ونطالبها بالمزيد كلما تحقق بعض المطلوب، ونحاسبها حين تقصر، وننصفها حين تصيب.

فهل آن الأوان للتمييز بين النقد الذي يبني، والتشكيك الذي يهدم؟ وهل آن لنا أن نجعل من الحقيقة، لا من الضجيج، مرجعيتنا في الحكم على أداء المسؤولين ومسار التنمية؟

ذلك هو الدرس الذي ينبغي أن نستوعبه جميعًا: أن الإنصاف لا يلغي المساءلة، وأن المساءلة لا تبرر إنكار الإنجاز، وأن الأوطان لا تُبنى بالمزايدات، بل بالعمل والحجة والصدق والقدرة على الاعتراف بالحقيقة، كاملةً، بما لها وما عليها.

زر الذهاب إلى الأعلى