أين المتقاعدون من الإستحقاقات الحكوميةالجديدة ؟ ،إنصاف جيلٍ أفنى عمره في خدمة الوطن ليس منّةً، بل استحقاقٌ وعدالة/ محمد عبد الله ولد بين

في خضم الاستحقاقات الحكومية الجديدة، وما يُرتقب من برامج اجتماعية وتنموية تستهدف تحسين ظروف المواطنين وتعزيز الحماية الاجتماعية، يبرز سؤال لا ينبغي أن يغيب عن أجندة الإصلاح: أين المتقاعدون من هذه الاستحقاقات؟ وأي موقع يحتلونه في السياسات الاجتماعية للدولة؟

إن شعار «طموحي للوطن» لا تكتمل دلالته إلا حين يمتد أثره إلى جميع فئات المجتمع، فلا يُترك أحد على قارعة الطريق، ولا سيما أولئك الذين أفنوا زهرة أعمارهم في خدمة الدولة، وأسهموا بما امتلكوا من جهد وخبرة وتضحية في بناء مؤسساتها خلال مراحل لم تكن فيها الإمكانات متاحة كما هي اليوم.

لقد خدم المتقاعدون وطنهم في ظروف متفاوتة الصعوبة، وتحملوا مسؤولياتهم حين كانت الدولة تشق طريقها وسط تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة. واليوم، وقد غادروا الوظيفة العمومية، لا ينبغي أن يغادروا دائرة الاهتمام الحكومي؛ فالتقاعد نهاية لمسار مهني، وليس نهاية لحق المواطن في العيش الكريم.

وتشير التقديرات المتداولة إلى أن هذه الفئة تضم أكثر من ثلاثين ألف مواطن، وهو عدد يجعل قضيتها شأنًا اجتماعيًا وطنيًا، لا مطلبًا فئويًا محدودًا. فالمعاش التقاعدي ليس هبةً تُمنح، بل حقٌّ يترتب على سنوات من العمل والاقتطاع والالتزام، كما أن حماية المتقاعد من العوز ليست مجرد استجابة إنسانية، بل تعبير عن وفاء الدولة لمواطنيها وترسيخ الثقة في مؤسساتها.

ولا يمكن إنكار ما تحقق خلال المأمورية الأولى لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، من مضاعفة المعاشات التقاعدية وتحسين وتيرة صرفها، بعد أن كان صرفها يتم كل ثلاثة أشهر، فأصبح شهريًا. وهي خطوة إيجابية خففت بعض الأعباء عن المتقاعدين، واستحقت التقدير. غير أن الاعتراف بأهمية هذا الإجراء لا يعني أن الحاجة إلى الإصلاح قد انتفت؛ فارتفاع تكاليف المعيشة، وتقلبات الأسعار، وتزايد أعباء العلاج والسكن ومتطلبات الأسرة، كلها عوامل تجعل المعاشات الحالية بحاجة إلى مراجعة تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية.

ولا تقتصر هشاشة المتقاعدين على محدودية الدخل وتآكل القدرة الشرائية، بل تمتد إلى الجانب الصحي، وهو من أشد جوانبها حساسية وتأثيرًا في جودة الحياة. إذ تشير دراسة يُستند إليها في هذا السياق إلى أن نحو 70% من المتقاعدين يعانون أمراضًا مزمنة، بما يضاعف حاجتهم إلى الأدوية والفحوص الطبية والمتابعة العلاجية المنتظمة. وإذا اجتمع ضعف المعاش مع ارتفاع تكاليف العلاج، وجد المتقاعد نفسه أمام معادلة قاسية بين متطلبات العيش الضرورية واحتياجاته الصحية التي لا تحتمل التأجيل. ومن ثم، فإن إنصاف هذه الفئة لا ينبغي أن يقتصر على مراجعة معاشاتها، بل يجب أن يشمل تعزيز تغطيتها الصحية وتيسير حصولها على الأدوية والعلاجات الأساسية؛ فالحماية الاجتماعية الحقيقية هي التي تصون دخل المواطن وحقه في العلاج وكرامته معًا.

ومن هنا تكتسب التوجيهات الرئاسية المتعلقة بتعزيز البرامج الاجتماعية، وما أُعلن عنه بشأن استكمال دراسة لإصلاح نظام التقاعد تمهيدًا لتحويلها إلى مشروع قانون، أهمية خاصة. فالمطلوب اليوم ليس مجرد إعلان النية في الإصلاح، وإنما الانتقال بها إلى إجراءات عملية، بجدول زمني واضح، وضمانات قانونية ومالية قابلة للتنفيذ، تعيد إلى المعاش التقاعدي قدرته على توفير الحد الأدنى من العيش الكريم.

وفي هذا السياق، فإن البرنامج الاستعجالي الذي تشرف عليه حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي يمثل فرصة مناسبة لإدراج المتقاعدين ضمن أولويات التدخل الاجتماعي، من خلال مكوّنة خاصة تستهدف الأكثر هشاشة منهم، وتراعي محدودية معاشاتهم، وأوضاعهم الصحية والأسرية، وقدرتهم الفعلية على مواجهة تكاليف الحياة. فليس من العدل أن تظل هذه الفئة خارج دائرة الاستهداف لمجرد أنها لم تعد تمارس وظيفة، أو لأن احتياجاتها لا تحظى بما يكفي من الظهور في النقاش العام.

ولا يعني ذلك تحميل البرامج الاستعجالية ما يتجاوز طبيعتها، أو الاكتفاء بإجراءات ظرفية بدل الإصلاح البنيوي؛ بل إن المقاربة الرشيدة تقتضي مسارين متكاملين: تدخلًا عاجلًا لحماية المتقاعدين الأكثر هشاشة، وإصلاحًا مستدامًا لنظام التقاعد يضمن عدالة المعاشات واستدامة تمويلها. ويمكن أن يشمل ذلك مراجعة قيمة المعاشات وفق معايير موضوعية، وربطها بصورة مدروسة بتطور تكاليف المعيشة، وتحسين التغطية الصحية، مع مراعاة التوازنات المالية للدولة وحقوق الأجيال القادمة.

إن القضية، في جوهرها، ليست مطالبة بامتيازات استثنائية، ولا استدعاءً لعاطفة عابرة؛ إنها دعوة إلى تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية على فئة أدت واجبها المهني، وأصبحت في مرحلة من العمر تحتاج فيها إلى حماية أكبر، لا إلى قدرة أكبر على الاحتمال.

فالدولة التي تريد بناء المستقبل لا يجوز أن تتعامل مع من أسهموا في بناء ماضيها بوصفهم صفحة طُويت. كما أن قيمة الإصلاح لا تُقاس فقط بحجم المشاريع الجديدة، بل بقدرته على حماية الفئات التي قد تعجز عن مواكبة التحولات الاقتصادية، وفي مقدمتها المتقاعدون محدودو الدخل والذين تثقل كاهلهم الأمراض المزمنة.

إننا نأمل أن تجد هذه القضية طريقها إلى الاهتمام العملي لدى فخامة رئيس الجمهورية وحكومة معالي الوزير الأول، وأن تتحول التعهدات والدراسات إلى خطوات ملموسة، تعيد الثقة إلى المتقاعدين، وتصون كرامتهم، وتؤكد أن المواطنة لا تنتهي بانتهاء الخدمة.

فأين المتقاعدون من الاستحقاقات الحكومية الجديدة؟ سؤال مشروع، والإجابة عنه لا تكون بالوعود وحدها، بل بسياسة واضحة تُنصفهم، وتحمي هشاشتهم، وتمنح سنوات عطائهم معناها الكامل.

ذلك هو جوهر طموحٍ للوطن لا يترك أحدًا على قارعة الطريق.

زر الذهاب إلى الأعلى