لا *تجعلوا تاريخ موريتانيا أثقل من مستقبلها*  بقلم: محمد عبد الله ولد بين

قرأت الوثيقة التي وقّعها عدد كبير من الشخصيات السياسية والأكاديمية والمهنية، فاستوقفني سؤال جوهري: هل الأولوية الوطنية اليوم هي استدعاء ملفات الماضي، أم معالجة أزمات الحاضر وصناعة المستقبل؟

لا أحد ينكر أن المظالم لا تسقط بالتقادم الأخلاقي، وأن كل حق ثابت يستحق الإنصاف، وكل متضرر يستحق جبر الضرر وفق القانون والعدل. لكن الاعتراف بالمظالم لا يعني تحويل الدولة إلى ورشة مفتوحة لتصفية حسابات ستة عقود، ولا تعليق استحقاقات الحاضر حتى نستوفي سجالات الماضي.

فموريتانيا اليوم تواجه تحديات لا تقبل التأجيل: تعليم يحتاج إلى الإنقاذ، وصحة تستدعي الإصلاح، وشباب يبحث عن العمل، ومواطنون ينتظرون الماء والكهرباء والطرق، وأسر ترهقها الأسعار، واقتصاد لم يستثمر بعد كامل إمكاناته. وهذه كلها قضايا تتطلب من النخب أن تسخّر خبرتها ومكانتها لحلول عملية، لا أن تكتفي باستحضار الأزمات التاريخية.

إنصاف الضحايا واجب، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل الحاضر؛ وصيانة الذاكرة ضرورة، لكنها لا تغني عن بناء المستقبل.

ومن هنا، يحق لنا أن نسأل الموقعين على الوثيقة، وفيهم وزراء وبرلمانيون ومسؤولون وأطر عايشوا مراحل متعددة من تاريخ الدولة: أين كانت هذه التعبئة الواسعة حين كانت الأولويات الوطنية تتطلب الحشد حول التعليم والصحة والتشغيل ومكافحة الفقر؟ ولماذا يسهل جمع المئات حول ملفات الخلاف، بينما يصعب جمعهم حول مشروع وطني جامع للتنمية؟

ليس المقصود بهذا السؤال مصادرة حق أحد في المطالبة بالإنصاف، ولا تحميل جميع الموقعين مسؤولية متساوية عن ماضي الدولة؛ فالمسؤوليات تختلف باختلاف المواقع والظروف. وإنما المقصود مساءلة النخب عن ترتيب أولوياتها، وعن قدرتها على الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى اقتراح البدائل.

إن النخبة لا تُقاس بكثرة الأسماء التي تجمعها البيانات، بل بقيمة الأفكار التي تقدمها، وبقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة إلى حلول تمس حياة الناس. وكان أولى بمن اجتمعوا حول الوثيقة أن يجتمعوا بالعدد نفسه حول مشروع لتشغيل الشباب، أو إصلاح المدرسة، أو تعزيز الأمن الغذائي، أو تطوير الزراعة والصيد، أو تحسين الحكامة وضمان وصول ثمار الثروة الوطنية إلى المواطنين.

وليس من الحكمة أن نضع الماضي والحاضر في مواجهة زائفة؛ فالدولة قادرة، متى توافرت الإرادة والآليات، على معالجة الملفات العالقة عبر مؤسساتها المختصة، وفي الوقت نفسه مواصلة برامج التنمية ومحاسبة المقصرين وتحسين الخدمات. أما جمع كل القضايا التاريخية في سلة واحدة، وتقديمها باعتبارها أولوية تتقدم على سائر الاستحقاقات، فقد يفتح الباب أمام استقطاب جديد، ويعيد إنتاج حساسيات لا يحتاج المجتمع إلى إحيائها خارج مقتضيات العدل والإنصاف.

وللحكومة، من جهتها، مسؤولية في هذا المسار: أن تستمع إلى المطالب المشروعة، وتتيح للمؤسسات المختصة معالجة الملفات وفق القانون، وألا تجعل الانشغال بالتنمية مبررًا لتجاهل الحقوق، كما لا تجعل المطالب التاريخية مبررًا لتأجيل الإصلاحات الضرورية.

إن برنامج «طموحي للوطن» وسائر الأوراش الحكومية ينبغي أن تكون موضوع متابعة جادة ونقد مسؤول واقتراح بنّاء. فالمعارضة والنخب والمجتمع المدني لا يؤدون دورهم بمجرد الاعتراض، كما أن مساندة الحكومة لا تعني إعفاءها من المساءلة؛ بل إن خدمة الوطن تقتضي من الجميع تقويم الأداء، وكشف الاختلالات، وتقديم البدائل، والاحتكام إلى النتائج.

إن موريتانيا لا تحتاج إلى الاختيار بين العدالة والتنمية؛ إنها تحتاج إليهما معًا. فالعدالة التي تتجاهل حاجات الأحياء تظل ناقصة الأثر، والتنمية التي تتجاهل الحقوق تظل ناقصة الأساس.

أيها السادة، أنصفوا المظلوم، واجبروا الضرر، واحفظوا الذاكرة، لكن لا تجعلوا تاريخ موريتانيا أثقل من مستقبلها. دعوا المؤسسات تتولى ما بقي من الملفات وفق القانون، ووجّهوا الجهد الوطني إلى معركة التنمية التي لا تحتمل مزيدًا من التأجيل.

فالأجيال القادمة لن تسألنا فقط عمّا ورثناه من مظالم، بل ستسألنا أيضًا عمّا أنجزناه لتعليمها وتشغيلها وتحسين حياتها.

المواطن هو الغاية، والعدالة ضمانة الاستقرار، والتنمية ميدان التنافس، والعمل معيار الإنجاز.

تلك هي الكلمة التي ينبغي أن تجمعنا: لا إنكار للماضي، ولا ارتهان له؛ لا تفريط في الحقوق، ولا إهمال لواجبات الحاضر.

فموريتانيا التي بين أيدينا أمانة، ومستقبل أبنائها مسؤولية، ولا يليق بالنخب أن تنشغل بإدارة خلافات التاريخ عن المشاركة في صناعة الغد.

زر الذهاب إلى الأعلى